السبت، 2 أبريل 2011

قصة منسية حمقاء عن شاب نسيه النسيان


كان يوما" فقط,مجرد يوم أخر في حياته..


استفاق باكرا",دخل الحمام ونظر لوجهه في المرأة التي أكلها الصدأ الأصفر  ثم مر  بيده البضاء على وجنتيه مقلدا" الشاب الوسيم في إعلان شفرات الحلاقة أملا" أن تظهر   الفتاة الشقراء تظهر  لتحيط جسده بيديها الناعمتين.هي لم تظهر حزن قليلا" لكنه سرعان ما تجاوز الأمر فحزنه هذا كان يوميا".
 

لحظات قليلة قبل أن يخرج من الحمام ,يرتدي كنزة بيضاء  وقميصا" أزرق باهت اللون بمربعات كثيرة وجينز شاحب اللون,وضع حقيبته على كتفه وخرج.


يعبر  الزقاق مستشعرا" نور الشمس على وجهه كـأنه رسول محظوظ بعث في يوم ربيعي,ليصرخ بالناس ليقوموا إلى أعمالهم :"صباح المرارات أيها البشر النائمون,صباح التعب.."*


نحيل قليلا"ومتوسط القامة بشعر أسود كثيف ملتف على بعضه وعينين كبيرتين قابضتين على العالم واندفاع أعمى للقيام بشيء لم يعرفه يوما.
 
متوقفا" عند زاوية كل شارع ناظرا" للنوافذ وحبال الغسيل عساه يرآ ملاكا ينشر الثياب ليحيى على جمال وجهه ألف عام-لكنه لم يراه-,هذا الوقوف اليومي كان يخلف فيه شعورا" غريبا,الشعور ببراءة أدم الاولى,أدم ما قبل الخطيئة.بريء,الله يريد إبقائي بريئا" هذا ما كان يردده دائما" علّها تهدأ روحه ولم تهدأ.
يمر من أمامه رجل ستيني هرم يجر حفيده الصغير خلفه بقليل من الحزم والكثير من الحنان ,محدثا" إياه عن أيام طفولته وهو يجمع عروق النعناع والزعتر في طرابين زجاجية مستعينا ببلاهة واضحة بقصيدة نزار قباني إلى أمه. استفزه ذلك وقرر أن يسير خلفهما ,هو لم يكن يعرف إلى أين سيذهبان ولكنه أيضا" لايعرف طريقه.


يدخل الرجل وحفيده إلى فرن صغير بنيّ اللون كأنه بنيا ليرمى على حافة المدينة,كان الرجل لا يزال متأثرا" بزعتر نزار قباني  أو أنه لم يكن يملك الكثير من المال فطلب منقوشتيّ زعتر,كذلك فعل الشاب  فهو لم يكن يملك سوى ألفيّ ليرة ,الف  للمنقوشة وألف للعودة بالباص إلى المنزل.يجلس على مقربة منهما مراقبا" تزايد تجاعيد وجه الجدّ مع تزايد انفعالاته,لم يكن مهتمّا بحديثه ولكنه سمع كلمات  عن الحسين وزينب والقاسم.هزّ رأسه وأنصت لحديث الجدّ عن القاسم,ثم هزّه مرّة اخرى لم يستطع استيعاب قدرة الرجل على التنقل  من نزار قباني إلى القاسم بتلك السرعة,لم يستطع أن يفهم العلاقة  بين ميلودرامية الطفولة وسيريالية عرس شاب يقام قبل لحظات من موته.رغم ذلك هراءه إلاّ ان الشاب بدأ يعجب به, أحب بساطته وأحب محاولته الظهور بمظهر الإله أمام حفيده,محدثا" إياه عن كل ما يعرفه ومستعملا" كل ما يعرفه من مصطلحات "أيية" (سادية,ماركسية,سيريالية,رأسمالية,أوليغاركية.....) في خليط عجيب من المفردات المتداخلة ,التي لا يربطها بينها شيء سوى الحرفين الاخيرين فيما تبرق عينيّ الصغير وهو ينظر  إلى جده العظيم .


أنهيا مناقيشهما ودخلا  إلى المكتبة الملاصقة للفرن فدخل ورائهما ,قام الطفل باختيار دفتر ازرق بينما اقترب جدّه من سلّة ألوان عملاقة وقرر جمع ألوان الطيف السّبعة,بنفسجيّ,نيليّ,أزرق,أخضر,أصفر,برتقالي,أح....أح.. أحم..لم يجد اللون الأحمر,,قلب السلة رأسا" على عقب ,لكنه لم يجده,بدا يغضب ,قام بفتح علب الألوان المغلقة الواحدة تلو الأخرىكلها كانت ناقصة قلما".لم يجد اللون الاحمر حزن الطفل قليلا",بينما تملك الجد غضبُ شديد وحبس في أنفاسه غصّة وأفلتت منه  دمعة أخافتها عصبيته  المكبوتة ففرت من عينيه.لم يجد قلما" احمر وذلك هزّ صورته الإلهية.

وقع المصيبة  أنهك الجدّ ,دفع ما عليه ومضى مع فتاه,بينما ظل الشاب يجول بنظره في أرجاء المكان قبل ان يقترب  من خزانة حديدية ومد يده إلى الفراغ بينها وبين الحائط ,محاولا امساك قلم أحمر وبعد عدة محاولات نجح في الحصول عليه وقرر إعطاءه للجد ليحفظ ألوهته .اقترب من البائع مشيرا" إلى القلم"250 "سحب الألف من جيبه وأعطاها للبائع .عليه العودة للمنزل سيرا" على الأقدام الآن,فلم يبقى معه غير 750.

يخرج فيرى الرجل قد اصبح في رأس الشارع ,يركض مسرعا" للحاق به لكن  الباص يصل قبله فيصعدان تاركينه يلهث محاولا" اللحاق بهما .لحظات و يقف الباص فجأة"  ينزل الرجل وهو يشتم السائق الذي اصرّ على سماع اغنية "سامحتك" ولم يكتفي بذلك بل رفع الصوت حتى يسمع جميع من في الشارع هذه الاغنية "أخت الشـر....* متل الشوفار" بحسب توصيف الستيني .يتنفس الشاب الصعداء ويمسح اب العرق عن جبينه ضاحكا" ,سينجح في إعطاء الرجل القلم وسيتكفل الأخير بإختراع القصة المناسبة عن سبب إختفاءه في البداية,يركض بسرعة وراء الرجل الذي دخل إلى الدكان لشراء قنينة مياه للصغير الذي أعطشه الزعتر وإضاعة للوقت بينما يصل الباص العمومي الذي يمنع عليه وضع الأغاني- ولو فيروز-.

يصعد الدرجات مسرعا",قبل أن يشعر باحتكاك خفيف و يسمع صرخة نسائية ناعمة,رفع عينيه وكان قد ارتطم بملاك أشقر  ,عاد وانحنى مسرعا" معطيا إياها الكيس  ووقف غارقا" في خضرة عينيها  وبجرأة لم يعهدها يوما" قال لها:يا صغيرتي"إنني منذ ثلاثين عاما ارتّب هذا الفضاء لكي تسكنيه"فهل تمهلينني لحظة وتنتظرينني في الحديقة!؟,هزّت رأسها إيجابا ونزلت كالفراشة على الدرجات بينما ظلّ نظره معلقا" عليها حتى إطمئن أنها في مقعد خشبي وسط الحديقة.

دخل إلى الدكان,بحث طويلا وأجال بنظره أنحاء المكان عبثا" دون أن يجد العجوز وحفيده,عندها بدا يعرف كل شيء,كما في نهايات أفلام هوليود,هما كانا ملاكين صغيرين, وهما رأياه وهو يتبعهما وحين تناول بالقرب منهما المناقيش وهما تجاهلا عن قصد القلم الاحمر لكي يراه هو و هما لا يعرفان ان كانت أغنية سامحتك جميلة أم لا لأن الملائكة لا تعرف الأغاني ولكنها كانت حجتهما للنزول من الباص والدخول للتعاونية لكي يلاقي هو الملاك.

خرج ونزل الادراج بسرعة وهو يسترجع ما حفظه من أشعار:"إقذف صنارتك في البحر,إإقذف قلبك في الحب,إقذف النرد",يقطع نصف الشارع ويتذكر الشطر الأخير:"ولكن أقفل عينيك قبل كل شيء" وقبل أن يتلاقى رموش عينيه حتى تطيح به سيارة "رينو رابيد زرقاء"...

وهو يسقط أرضا" مستعدا" لإغفاءته الاخيرة ,ينظر غلى المقعد فيرى ملاكه يبتسم إبتسامة" غريبة مجبولة بقليل من الخبث ثم يقوم لكمل طريق العودة للمنزل دون إكتراث,لم تكن ملاكا,كانت شيطانا" بصورة ملاك أشقر,أزرق العينين,أما الرجلان فكانا أبالستها الصغار.


بقيت جثته ممدة في الشارع حتى المساء,حين أتى عمال البلدية لإزالة النفايات كما يفعلون في كل مساء فأبعدوا جسدإلى جانب  الرصيف, ولكنهم فشلوا في إزالة أخر كلماته عن أرض  الطريق فبقيت إلى اليوم:

"وأنت يا جميل,يامكهرب الأسلاك والدماء والأشجار,واعدتني بأن يكون ليهناك موعدٌ معك ,فيختلي الحبيب بالحبيب,قلت لي,,,أراك في الأراك"*

****
تصويب أول: هذه القصة لم تحدث يوما" وهي لا تمت للواقع بصلة وان أحسست بنوع من الحمق فيها فألتمس لها العذر فهي ووليدة مخيلة حمقاء لمراهق مشوّش ,تعب

 تصويب ثاني :ما وضع بين " " هو للشاعر محمد علي شمس الدين ,مع خالص الاعتذار منه على زجّ كلماته في نص  أحمق كهذا.
 * أخت الشر.... هي كلمة عامية مستخدمة في اللهجات المحلية في لبنان وسوريا وهي تعني أخت الفاسقة"

فأقتضى التوضيح 

الاثنين، 28 مارس 2011

خمس صور من المتسلل


1.





ضميري يريد أن ينتصر النباتيون في كل أنحاء العالم


لكن لا وعيي يتوق إلى قطعة لحم طرية .


2.




















أي رجل يكتب لأنه معذب ,


لأنه يشك و يريد دائما" أن يثبت لنفسه وللأخرين أنه يساوي شيئا",


بربك إن عرفت أني عبقري حقا",لماذا أكتب بعدها,بحق الجحيم قل لي لماذا؟


3.




 


 يا صديقتي ..أحب عينيك


مع لمعانهما الناري الرائع


عندما ترفعينهما فجأة


و مثل بريق سماوي


يحد بصرك بطلاقة كل شيء




4.





















المنطقة يجب أن تحترم ,إن لم تحترمها ستعاقبك.


 هنا نحن في المنزل,


هنا المكان هادئٌُ جدا"


فنحن في  المكان الاكثر هدوئا" في العالم


5.





 







دع كل ما خططوا له يتحقق,دعهم يؤمنون, ودعهم يضحكون على عواطفهم,


لأن ما يسمونه الشغف ليس طاقة عاطفية,إنه فقط ما ينتج عن إحتكاكأرواحهم بالعالم الخارجي ,
 أكثر من ذلك ,دعهم يؤمنون بأنفسهم
دعهم يصبحون عاجزين كالأطفال ,لأن الضعف شيءٌ عظيم
والقوى لا شيء.


عندما يولد الرجل فهو رقيق وضعيف
وعندما يموت فهو يصبح قاسيا وخاليا" من المشاعر .


عندما تنمو الشجرة تكون معطاءة ولكن عندماتصبح قاسية" وجافة ,,تموت.


القسوة والقوة صديقين للموت ,الليونة والضعف هما تعبير عن نضارة الكون والوجود


والقساة المتصلبون لا ينتصرون بدا"...

.........
إلى روح المعلم أندري تاركوفسكي 


السبت، 26 مارس 2011

"يا حب,ما انت؟"-سبع قصص قصيرة جدا جدا

 يا حبّ ! هُبَّ علينا عواصفَ رعديّةً كي نصير إلي ما تحبّ لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .
وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .
فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ - لا شكل لك ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين...


محمود درويش-لاعب النرد
********* 
 

 1.

كانا فتييّن جدا",يظنان ان السعادة لم تكتب لغيرهما عندما كانا يركضان خلف بعضهما البعض بين محلات المجوهرات في أرقى شوارع المدينة.
في المساء شتمها وشتمته,لا يملكان الخبز,اكتشفا أن المال هو الوحيد الذي يشتري الخبز,,,والسعادة.


2.


كانا صغيرين,
هو كان إبن شيخ وهي كانت تكره المشايخ
هو أحبها وهي أحبته,
بعد سنوات تزوج هو من راقصة
                                      وهي تزوجت من والده,الشيخ..


3.


كانا مراهقين 
تقول هي:"أريد الزواج بك"
يقول هو:"نعم,أنا أيضا أريد أن أتزوجك,لكن لماذا تقولين هذا؟"
لم تجب أبدا" وهو لم يهتم كان يحبها وكان يظن أنها تحبه هي أيضا...
تمسح الندى عن جبينه وتطبع على خده الوردي قبلة يومية.


"صديقي,أتذكر عندما كنت أقول لك أني سأتزوجك؟"


4.


لم يفترقا أبدا",هو بشعره الأسود الكثيف وهي البرتقالية بشعرها المدوّر.
في يوم قرر أن يفصح لها عن حب السنين
أتى بدفتر صغير,كتب حكاية صغيرة
عن فتى كتب لفتاته حكاية ليفصح  لها بها عن حبه
أعطاها الدفتر في الحديقة العامة
قلبت الصفحات بهدوء
"جميلة هذه القصة يا صديقي"
من يومها بدأدا التواصل يقل شيئا فشيئا-هو لم يفهم السبب وهي احتفظت بالسر في قلبها إلى الأبد- حتى انقطع,,,


5.
هو مسلم وهي مسيحية, لم يفهم يوما" لماذا يقدس بولس وهي لم تفهم لماذا يجب أن تحب محمد
هو مسلم وهي يهودية,لم يفهم يوما" البحص عن هيكل سليمان وهي لم تفهم كيف يحب علي خيبر
هو مسلم وهي بوذية,لم يفهم يوما" كيف يعبد صنم وهيلم تفهم أبدا" كيف يعبد إله غير مجسد
هو مسلم وهي اختارت اللادين,لم يكن هناك شيءٌ ليفهم لذلك تزوّجها 


6.
هو يجمع صورا" لوجوه الجميلات
وهي كانت ملاكا" بشعر طويل 

كان يذوب في عينيها ,لكنه لم يجرؤ قط على الحديث معها 
اكتفى بإضافة صورتها لبقية الصور في دفتره الأزرق


...اقتربت منه بعينيها الخضراوين الواسعتين,
مدّت يدها لتعطيه دفتره الذي اسقطه أرضا,أخذ الكتاب برفق من يدها وركض بعيدا


لم يرد أن يتكلم معها كان يريدها أن تبقى ملاكا"



7.


كانت تحبه,هو إبن خالها ,يسكن في عكا
ذهب ليقاتل الإنكليز
فكان شهيد هوى فلسطين


كانت تحبه ,هوإبن عمها ,يسكن في الجليل 
ذهب لقتال اليهود 
فكان شهيد هوى فلسطين



كانت تسكن في حيفا وكانت تحب شاعرا"
اسمه مكون من 5 احرف
ذهب للمنفى 
فكان شهيد هواها ألف مرّة
وشهيد هوى فلسطين ألف الف مرّة,,,

الأحد، 13 مارس 2011

النبي اليائس منتظرا عودة الديب...

هو هو,لم يتغير يوما كما يظنون,حكايته كانت ككل القصص والحكايات عن النهوض والسقوط,عن العز والمجد والبأس والفشل,عن الخير والشر.لكنه هو وهو كان مختلفا".


يستفيق مع كل صباح ,يلبس ثيابه التي لاكها الكلب -كما كانت تقول والدته- ويذهب إلى  عمله.
 يدخل إلى الصف وهو ينظر إلى تلك الوجوه البائسة والعيون الغافية والأيدي المشغولة أبدا",يضع محفظته على طاولة المعلم ويلقي بجسده على الكرسي غارقا فيه,تمر لحظات سريعة على التلامذة,بطيئة عليه قبل أن يقوم ويبدأ بشرح درسه.في الحقيقة هو قد برمج على ذلك:


يدخل عبر بوابة المدرسة ,يلقي السلام على جميع من يصادفه دون أن ينتظر ردا,يدخل إلى السكرتريا يوقع على سجل الحضور ويصعد منهكا"  إلى غرفة المعلمين,ومع دخوله الغرفة يأخذ كوب شاي اسود من العجوز التي تستعد للدخول الى الغرفة,يضع حقيبته على الأرض حاضنا" اياها بين رجليه ويسند رأسه بكلتا يديه مستمعا" لأحاديث المعلمين البالية,يرن الجرس فيستفزه,يترك كوب الشاي الذي ما زال ممتلئا",جارا قدميه إلى الصف,صف آلهة النعاس الأبدي.


يستفيق مع صبيحة كل يوم على وقع نور شمس خفيف يتراقص عبر النافذة ,يفتح خزانته الخشبية المليئة بالملابس ويختار أحد قمصانه الملونة,يلبس حذاءه الجلدي الدائم اللمعان,يدخل إلى مقر عمله ويبقى لوقت طويل جدا مكتشفا كل يوم ألف شيءوشيء.هو لم يتعود يوما على شيء:يقفل باب بيته  ويصعد في سيارته السوداء ويصل إلى مبنى زجاجي,يقبل أحد الحراس ويفتح له باب السيارة ملقيا" التحية فيرد بإبتسامة عريضة وكلمات عطوفة,يدخل مسرعا" إلى غرفة بيضاء,لحظات قبل أن يخرج منها ليدخل إلى غرفة أخرى أكثر بياضا كالحليب,بيضاء بيضاء,يغرق فيها لساعات طويلة بين المعدات والآلات,يدخل يوميا إلى هناك,كانت فردوسه حيث يتعرف على الملائكة والحوريات .في المساء ينتقل إلى فردوسه الثاني إلى مكتبته متنقلا" بين الشعر والفلسفة,متلقفا من نيتشه ومن المتنبي,من أرسطو ومن ديكارت,كان يبني إنسانه الأعلى أينما حل  باحثا" عن إكسير الحياة عساه يصير مسيحا جديدا" مبشّرا بالخلود.


في وجهه ثقة القديسين بألهتهم ,وفي ضحكاتهم فرح الفلاحين بنهر لم يغرق المحصول وفي يديه علم ألف رسول,يجلس خلف مكتبه الذي نادرا ما كان يراه ناظرا إلى الظرف الأبيض الموضوع بعناية عليه,يضع يديه على الظرف يفتحه بريبة ,يسحب الورقة من داخله :"شكرا على كل شيء,لكن يجب أن ترحل."


واقفا في الصف,بثقة اقل وفرح أقل وبمعرفة لم يهزها شيء ,يتكلم عن سر الوجود متأملا" وجوها" تبدو يقظة" للمرة الأولى,يرى احدهم  ينظر عبر الشباك مستغرقا في مطر الشتاءويبتسم ابتسامة خفيفة ويصرخ به: "صرخ عليهم بالشتي يا ديب بلكي بيرجعوا!"
تفاجئ الجميع,سخر البعض وضحك البعض الاخر طويلا".


حاول الفتى أن يلعب دور المتحاذق وأجاب قائلا":"سعيد عقل يا أستاذ!؟",يجيبه المعلم:"لأ طلال حيدر,شعرو حلو طلال حيدر".
ويسود الصمت دهرا,أحس بفداحة فعله ,لم يعرف أحدهم طلال حيدر,ارتمى على مقعده ,واسترجع ذكرياته شريطا أمام عينيه,استرجع فردوسه وخزانته الخشبية وسياراته السوداء واسترجع نيتشه و الخادمة العجوز وكوب الشاي الملأن وصولا" إلى ديبه وبيأس الأنبياء هزّ رأسه من دون أمل,نظر إلى الفتى من جديد وصرخ مجددا: "صرخ عليهم بالشتي يا ديب بلكي بيرجعوا...."

الجمعة، 4 فبراير 2011

مشاهد من أيام الثورة


1|


في زمن استجابة القدر كانت تحصل مظاهرات عنيفة طالبة الحرية.
هو كان يعرف ذلك لذا قررالخروج من عزلته .
جلس على فراشه المهترئ ,تناول من تحته حذاءه الملطخ بوحل اخر أيام الحرية ,كان ضيقا بعض الشيء ولكنه ارتداه.
 أراد أن يغسله من العار.
فتح الباب ومضى...

 *********
 

2|
في زمن انكسار القيد,كان المعتقلين السياسيون يثورون على حراس الزنازين.
هم هاجموا سجانيهم ,كسروا البوابات الحديدية ونزلوا إلى الساحة .
ومن داخل الأبراج وقف من تبقى من الحراس,صوبوا بنادقهم باتجاه الأجساد الهاربة وأطلقوا النار...
 سكون طويل... قبل أن يقترب القتلى من قتلاهم يرونهم جثثا هامدا أمام أعينهم .يسحب كل منهم مسدسه ويصوبه على رأسه ليرقد كل منهم إلى جانب قتيله للأبد.


 *********


3|
في زمن استجابة القدر يخرج الاطفال للشوارع ليعبروا عن رفضهم.
تقف ممسكة بأكمام كنزتها الصوفية على رصف أحد الازقة تراقب أخاها الصغير ينضم إلى المظاهرة,الفتاة صاحبة الوجه الابيض الدافئ بعينيها السوداوين وشفتيها الزهريتين.
هو لم يكن يهتم لشيء لكنه اضطر للوقوف منتظرا انتهاء مرور هؤلاء المحتجين,رأها لكنه لم يكترث.
 ارتفع فجأة صوت الرصاص وتعالت صيحات الناس,سمع صراخ الفتاة الخائفة على شقيقها,نظر إلى وجهها الملائكي وتأمل في عينيهاالسوداوتين لبرهة أحسها دهرا,اجتاز الطريق,اقترب منها رسم قبلة خفيفة على وجنتها الوردية,وركض مسرعا وراء المظاهرين المتزايدين رغم الرصاص والصراخ...


**********


4|
في زمن انكسار القيد كان لناس يصرخون من اليأس ,من المهانة ,من التعب .
...ومن هراوات رجال الشرطة أيضا
مرتديا قبعة العجائز كما أحب أن يسميها ,نزل إلى الشوارع مع جاره العجوز لينضموا إلى الكثيرين الذين سبقوهم طالبين انهاء سنوات من الذل.
كانوا يسيرون بسلام قبل أن يخرج من بين الزواريب أعدادا لاتنتهي من رجال الامن وفجأة أحس بشيء ثقيل يهوي على رأسه,يلتفت إلى الوراء ليرى شرطيا يرفع عصاه ليضريه مرة أخرى فيصرخ بأعلى صوته مجمدا صاحب اللباس الأسود في أرضه ويفر مبتعدا.
لم تدم الصدمة طويلا...
يستفيق الشرطي من غفلته ويركض خلف الصبي من شارع إلى شارع ومن حي إلى أخر .
 لم يكن سعيدا ,لم يكن غنيا,كان لديه الكثير من الأولاد ومعاش قليل ليصرفه عليهم لكن هذا عمله,هذا ما قاله للفتى وهو  ينهال عليه ضربا بعد أن   سأله الصغير عن سبب ملاحقته للناس.


 **********


5| 
في زمن استجابة القدر كانت السماء تمطر على غير العادة.

تجمعوا في الشوارع بعد أن قرروا الاحتجاج .فطوق الأمن المكان,كانت الأمطار تنهمر ببطئ والناس كذلك.

علت الأصوات وارتفعت القبضات ,تحركت الجماهير ,ارتبكت قوات الأمن وفتحت النار على المتظاهرين,أصبح المطر شديدا وتساقطت حبات كبيرة من الماء تخلق أناسا جددا في كل لحظة وباعثة الحياة في الاجساد المتهاوية على الأرض.

ازدادت النيران,ازدادت الأمطار ولم ينتهي الناس,ظلّوا يولدون في كل لحظة.

*********

6| 
في زمن إنكسار القيد كان الغرباء يلتقون معا لأول مرة .

كانا يسكنان في نفس البناء,لم يريا يوما بعضهما ولم يتقابلا أبدا .
كان لكل منهما إلهه الخاص ورسله المختارون.
نادرا ما كانا يخرجان من منازلهم حتى في أيام الاحتجاجات,لكن رؤية الاطفال في الطرقات احرجتهما,نزلا إلى الشوارع وسارا بصمت وفي قلب كل منهما رغبة في العودة إلى المنزل لكن مع كل صرخة طفل وكل زغردة امرأة, مع كل عجوز يسير صارخا في وجه الظلم ومع كل شاب يطلب مستقبلا أفضل كان احساسهما بالخجل يزداد.

نظرا إلى بعضهما البعض كان ذلك اللقاء الاول ,اقترب كل واحد منهما من الاخر,سارا جنبا إلى جنب,رفعا قبضاتهما سويا وأطلقا ندائتهما للحرية بعيدا عن خطيئة أدم وموت المسيح وسقيفة سعد.

 ********* 

7| 
في زمن النكبة والنكسة,في زمن انكسار القيد واستجابة القدر ,كان يستفيق صبيحة كل يوم ,يفتح الشباك الخشبي الأزرق لغرفته مطلا على القدس عبر ورقات الشجر وحبات البرتقال وفي قلبه ذلك اليقين الراسخ منذ أكثر من ستين عاما بأن اللقاء قريب.

الخميس، 20 يناير 2011

يوم عادي ليس ككل الأيام



صورة غريبة تنبعث في رأسه فيستفيق كما الأموات.يفتح عينيه اللتين لم يعرف يوما لونهما و ينظر دون ان يرى شيئا:سواد غريب يلف الغرفة ككل صباح.

يشق طريقه بصعوبة إلى خارج الغرفة مستعينا بشخير شقيقه الاكبر في الغرفة المجاورة,يدخل إلى المطبخ يفتح أحد الجوارير ويبدأ بالبحث عن شمعة مصدرا صوتا يقلق راحة النائمين,يجد ضالته, يشعل عود الكبريت ويضيئها.


يعود إلى غرفته مستعينا بضوء الشمعة المتراقص,يفتح خزانته ويغرق فيها باحثا عن ملابسه ككل يوم.

ها هو الان يسير ببطئ إلى باب المنزل ,نور خفيف كان قد بدأ بالانبعاث عبر النوافذ.يضع الحبيقة المرمية على جانب الباب ثم يفتحه ويخرج وككل يوم ينزل على الدرج المعتم  محاولا عدم السقوط على وجهه.

وككل السنوات السابقة ينطلق إلى ذلك المبنى ,كل صباح في كل يوم في كل أسبوع من حياته, يمر بالشارع نفسه والأبنية نفسها والأشخاص أنفسهم حتى ذلك العجوز بثيابه القديمة وقبعته الصوفية التي كان يرتديها بالصيف والشتاء يلقي  عليه التحية وهو يحاول فتح باب محله الحديدي .كان يرهقه هذا الشارع الخالي من أي روح فيسرع الخطى هاربا.

يصل إلى بناء المدرسة ويقف دون سبب منتظرا مرور أحدهم,ثواني قليلة تمر ثم يركض مسرعا إلى الداخل قبل أن يقوم الحارس بإقفال الباب بوجهه  إن تأخر أكثر.كان يكرهه,كان يكره كل من في المدرسة لكنه دائما ما حاول إيجاد أعذار لهم حتى هذا الحارس, كان يشعر بأنه يحتاج للاحساس بالقوة ولحظة غلق الباب في وجه احدهم هي الوحيدة التي تمنحه ذلك.

يقف الان داخل المبنى في ظل أعداد لا متناهية من الفتيان:كانت مدرسة للذكور ولكنه كان يعتقد بوجود جنس أخر وتأكد من ذلك حين أخبره رفيقه بكل شيء,مشهد الذكور هذا كان يصيبه صبيحة كل يوم بنفس الرعب الذي أحس به في المرة الاولى.

هنا أيضا يجب صعود لدرج ,مشكلته كانت بأنه هذه الادراج لا تتغير ولكم تكن يوما بالصعود والنزول.

يصل إلى الصف منهكا بعد نجاحه في الخروج بسلام بين أفواج التلاميذ الصاعدة على الادراج التي لا تتغير ,ينظر إلى الأستاذ الدائم الابتسام وهو يرمي بنفسه على المقعد مستمعا إلى ثرثرة الرجل الضاحك اليومية.

وقت طويل يمضي قبل أن يدخل ذلك الفتى الأشقر المغرور بثيابه الغريبة متاخرا كعادته ,جالسا أمامه وموزعا نكاته السمجة على جميع من حوله.

ذلك كان يحدث يوميا لكن هذا اليوم لم يكن كغيره من الأيام,في هذا اليوم اجتاحه شعور غريب انها تلك الرغبة الغامضة بالتغيير,لم يكن يحب هذا المغفل لذا رفع يده اليمنى إلى أقصى درجة ممكنة وهوى بها على الرأس الموجود أمامه :صوت قوي ,نكتة تتحول إلى شتيمة وضحكة حمقاء تتحول إلى أنين .

تهرع الناظرة إلى الصف ويتبعها المدير الطويل المفرط في سذاجته ,الصبي الأشقر يدفن رأسه تحت يديه والفتى جالس خلفه وابتسامة خفيفة تظهر على وجهه.يبدأ ذلك الساذج بالكلام يزيد من حدة كلامه  تارة ويخفضها تارة أخرى لكن هذا اليوم لم يكن ككل الأيام كان قد مل منه ومن حديثه المثير للغثيان ,في هذه اللحظة مرت جميع السنوات السبعة عشر الماضية في رأسه ,تذكر كل شيء من البداية إلى الصورة الغريبة التي رأها هذا الصباح,انتفض واقفا,اقترب من الرجل ولأول مرة لم يراه طويلا -كما اعتاد- وانفجر فيه غاضبا مفرغا كل ما في قلبه منذ سبعة عشر عاما إلى اليوم وشاتما إياه بمختلف أنواع الكلمات التي تعلمها في هذه المدرسة .يخرج من الغرفة ويصفق الباب بقوة مخلفا وراءه صمتا طويلا .

كان يرى العالم رماديا لكن هذا اليوم لم يكن ككل الأيام ,يدفع البوابة بقوة ويخطو خطوته الاولى خارج المدرسة فيرمي الله بدلو ألوانه من السماء مالئا  دنيا الفتى بالألوان .

يرمي نظرته الاخيرة على المبنى الذي أصبح بنيا ,يطلق صرخة قوية وينطلق راكضا في ذلك الشارع الضيق مقبلا المارة ,معانقهم وملقيا" التحية على الجميع.في حالة جنونه العاقل هذه تمر سيارة زرقاء مسرعة و ترمي بجسده إلى الجانب الاخر من الطريق.

لم يحدث شيء مهم حقا ,,,

                                      لقد مات فقط كالكثيرين غيره في ذلك اليوم العادي

الأحد، 9 يناير 2011

رائحة الجدّات

كان كغيره من الأطفال في تلك القرى الواقعة خلف التلال لكنه كان أكثر سمرة ونحولا من غيره ,هذا ما كان يقوله أقرانه.


قليل الحركة شارد الذهن في الكثير من الاحيان,يحب جدته جدا تلك العجوز انهكت أنهكت التجاعيد وجهها مخلفةفيه أثرا لن ينمحي.دائما ما أحب صوتها الحنون حين تغني وأحبه أكثر حين كانت تروي له القصص,لم تكن كغيرها من الجدّات كان تعرف الكثير من الحكايات وكان هو حفيدها المفضل.


دائما ما كان يبيت عندها في ذلك البيت الحجري القديم البعيد عن الطريق والمتواري خلف أشجار الزيتون.


للنوم عندها مذاق أخر,سر غريب كان يشده إلى ذلك المنزل وإلى ذلك الجسد الذائب من التعب والصورة الموضوعة في منتصف احدى الغرف لشاب مبتسم لم يعرفه من هو.جدته لم تكن تتكلم عنه ,أحد  لم يكن يتكلم عنه ولكن في كثير من الحيان يأتي أناس غرباء إلى المنزل راغبين برؤية والدة الشهيد .لم يعرف من المقصود ولكنه لم يسأل يوما.


في كل ليلة يضع رأسه على المخدة ويلتحف بغطاء قديم كان أنفه يمتلأ برائحة غريبة,كان يسميها " رائحة الجدّات".تلك الرائحة كانت تخلق في رأسه صورا لا تنتهي عن المعارك والقتال المشتعلين خلف التلال.


هذه المعارك لم تكن تخيف أحدا في القرية,رغم أنها كانت تقترب يوما بعد يوم منهم. هو نفسه لم تكن تعني له شيئا لم يكن يربطه بها شيء باستثناء الرائحة الغريبة على العكس كان سعيدا بها فقد عطّلته عن المدرسة وأراحته من المعلم الغاضب دائما.


 تلك الليلة كانت كغيرها من الليالي الكثير التي قضاها عندها,مساعدا اياها في مسح الزجاج وتحضير الطعام وإشعال المدفأة الكبيرة,انهمر الثج بقسوة وبرد الطقس جدا فأسرع إلى الفراش متقيا البرد.


صبيحة اليوم التالي كانت الأغرب ,أفاقه صوت الرصاص ونزول القذائف,سمع احدهم يصرخ قائلا بأن العدو قد أصبح في ساحة القرية.
عتدها انتشرت تلك الرائحة الغريبة في أنحاء الغرفة وامتلات رئتيه بها.


 انتصب الصغير واقفا,ارتدى معطفه البني الملقى على حافة الأريكة,لبس حذاءه الأسود المهترئ الموجود قرب الباب,فتح البوابة السوداء الكبيرة وانطلق مخلفا المنزل الحجري وراءه وصاعدا مسرعا وهو يجمع الحصى .


ظل يركض حتى خرج من أحد الازقة وأصبح في الساحة ,رفع يده ورمى الحجر,وفي تلك اللحظة انطلق وابل سرمدي  من الحجارةو واندفع من بين الأزقة سيل لا ينتهي من الأطفال.


 تلك كانت البداية