السبت، 16 مارس 2013

الصور


وجد أبي في مكتبه دون كثيرٍ من البحث والتفتيش عددًا من الصور التي التقطها أو جمعها خلال عمله بالإخراج الفني لجريدة فلسطين الثورة التابعة للـ م.ت.ف.
والدي قضى أوقاتًا كثيرًا متنقّلًا مشيًا على الأقدام من معهد الفنون الجميلة في الروشة حيث درس الهندسة الداخلية إلى مكتب الجريدة في شارع الحمراء, ذلك المكتب الذي يعبق بخليط عجيب من الروائح كتلك التي يحكي عنها إلياس خوري في رواياته حيث تختلط روائح القهوة والسجائر والجوارب والخراء والكحول بالعفن الذي يأكل الحيطان ونشّ الجدران ورائحة البول المتصاعدة من النافذة المطلة على موقف السيارات لأن صبيًا لم ينجح أحد في اكتشافه لسنوات عديدةٍ تلت اجتياح بيروت وخروج الـ م.ت.ف منها وإغلاق الجريدة وتركها للمكتب, بقي مصرًّا على التبويل على الحائط الذي كتب عليه دون جدوى مرّات عديدة " يا صاحب الشرف الرفيع لا تبول هنا", "لا تبول" هكذا دون شدّة على الواو.
العاملون في الجريدة كانوا هم أيضًا مزيجًا من جنسيات متعدّدة, فصيح السوري, ربيع الفلسطيني, عبد الرحمن اليمني ورضوان والدي الجنوبي والكثير غيرهم.لكن عبد الرحمن كان الأكثر تميّزًا, الرجل الذي يعمل في التحرير يمكنك أن تشمّ رائحته وتميزها من بين كل الروائح الآخرى ما ان تدخل المكتب, رائحة قدميه اللتين تطلان عليك من تحت مكتبه واللتين لم يبدّل جواربهما منذ أمدٍ بعيد إضافة للبرتال الذي أضحى لونه أصفرًا لندرة غسله وكذلك رائحة العرق التي تنبعث منه بمجرد أن يفتح فمه.عبد الرحمن الثلاثيني والذي لا أستطيع إلا أن أتخيله عبد الرحمن منيف في بورتريه لمروان قصاب باشي,




 ظل مميّزًا برائحته تلك إلا ما قبل الشهرين الأخيرين من اقتحام المدينة إذ انقلبت حاله  وأصبح حريصًا على الاستحمام وتغيير ملابسه يوميًا واختفت كؤوس العرق عن مكتبه وفوق ذلك كله أضحى الرجل مثابرًا على الصلاة في موعدها.
عند رحيل منظمة التحرير رحل عبد الرحمن مع من رحلوا, هل عاد إلى اليمن وغدى شاهدًا على الصراعات الداخلية وعلى الوحدة بين اليمنين؟ أم أنه ذهب مع قيادة المنظمة إلى تونس؟
لا أعرف أو بالأحرى ان والدي لا يعرف ما حلّ بعبد الرحمن. المهم أن والدي قد بقي في بيروت - صحيح والدي من جنوب لبنان وليس جنوب اليمن- وظل يمر مع من بقي من العاملين في الجريدة على المكتب بين الفترة والأخرى بخشية وخوف من أن يقوم أحد بالوشي بهم. بكل الأحوال لنذهب إلى المهم, المهم حقًا أن والدي خلال فترة عمله في الجريدة جمع كمياتٍ كبيرةٍ من الصور,كمياتٍ كبيرةً جدًا أتخيلها موضوعةً في صناديق كرتونية ملوّنة كتلك التي كانت تضع أمي بها مجلاتي, لكن للأسف فقد ضاعت معظم هذه الصور, بعضها أضاعه قصف البيت في الجنوب خلال حرب تموز 2006 والبعض الآخر رمتّه الأم (جدّتي) ربما لعدم أهميته ولاستحواذه على مكان أغراضٍ أخرى أما الباقي فقد ضاع أثناء الانتقال من مسكنٍ إلى آخر و بسبب الإهمال والصراعات المتتالية وحالات اليأس التي تنتاب الإنسان من حينٍ لآخر. هذا ما يقوله والدي لكنني أشعر أنه يخفي هذه الصور في مكانٍ ما لشغفه بطمس التاريخ ونسيان القصص القديمة ثم محاولة إستعادة ما طمس ونسي شيئًا فشيئًا وببطئ على فتراتٍ زمنيةٍ طويلة كألف ليلة وليلة, وهذه القصص والحكايات كثيرة كشقيقة صديقه التي أحبها وصراعات الضيعة الدموية بين اليسار وأمل والإقطاع وبطولات الأخ في مواجهة إسرائيل والعم الذي قرّر الإنضمام للفدائيين بعد خطاب التنحي لعبد الناصر إثر النكسة وانقسام العائلة خلال صراع أمل, حزب الله ومقاطعة أفرادها بعضهم بعضًا لفترة طويلة. بعد أن انتهيت من كتابة الفقرة فوق انتبهت أن الأمر ربما ليس شغفًا بتناسي الماضي, بل المسألة فقط أن المرء لا يتذكر الأشياء دفعة واحدة وإلا فإنه سيقضي حياته كلها وهو يحكيها.

المهم, لنعود إلى المهم الآن وهو الصور الباقية والتي وجدها والدي دون عناء كبير والتي لم تكن مغطاةً لا بالغبار ولا بشباك العناكب بل موضوعة في ظرف أسمر وهذه هي الصور سأضعها بترتيب مرورها على الـ
scanner , بعضها أوحى لي بشيء ما وبعضها الآخر ذكرني بأبيات شعرية و بعض منها كان مليئًا, مليئًا بالعناصر.
******


(1)














أعرف أن صورةً كهذه قاسيةٌ جدًا كي يبدأ العرض بها. هذه الصورة تمّ التقاطها بعد مجزرة صبرا وشاتيلا, ولقد حاولت عدّ الجثث المغطاة خلف المرأة المنتحبة, ورغم صعوبة العد لأن بعض الأقدام قد تمّت تغطيتها فإنني أعتقد أنه يوجد بين 16 و17 جثة.أعترف أن ما قمت به غبي بعد الشيء ولكنني لم أستطع أن لا أقوم به, 











هل يمكن أن يكون جميع هؤلاء الرجال -أعتقد أن كلهم رجال بسبب أحذيتهم- أقرباء للمرأة المنتحبة؟
على فكرة في المرّة الأولى التي نظرت فيها إلى الصورة ظننت أن المرأة تجلس على حافة نهر, ربما لأنني نظرت من بعيد لكنني عندما اقتربت منها وشاهدت الرجال, تذكرت ما يقوله أبو الطيب المتنبي:

... وموج المنايا حولها متلاطم








(2)



































هذه الصورة لم تعني لي الكثير الولد يمسك ورقة من فئة الـ100 ليرة, لماذا أصف لكم ما يوجد في الصورة وهي أمامكم؟






 المهم فكّرت بأمرٍ ما ان قمنا بعمل زوم ان على عين الصبي كم شخص سيعتقد أنها عينٌ لامرأة؟






(3)

































هاتين الصورتين من الصور التي يعتقد والدي أنها من تصويره, ويقول أنها تصور واحدة من أول مظاهرات حزب الله وأن مظهرًا كهذا كان صادمًا في وقتها.
أحببت هاتين الصورتين كثيرًا لكثرة التفاصيل التي يمكنك أن تجدها. خاصة في وجوه النساء,





















فإذا نظرنا للمرأة التي يبدأ الصف بها يمكننا بسهولة ملاحظة شيء من عدم الطمأنينة في نظرتها والتي تبدو موجّهةً إلى المصوّر وكأنها ترجوه أن لا يصوّرها, خلفها يوجد امرأتين أخرتين تنظران أيضًا إليها اعرف أن طريقة قطع الصورة تظهرهم كالملاك والشيطان اللذان يقفان على كتف البطل في المسلسلات الكرتونية.

لننتقل الآن للمرأة الثانية والتي تبدو كأنها مركّزة اهتمامها بشكل كامل للأمام لكنني أشعر أن نظرتها هذه  متعمدة كي لا تنظر للكاميرا ومن خلفها يوجد ربع جزء من وجه تدّل عين صاحبته 
على الخوف وخلف جزء الوجه هذا يوجد الجزء الأكثر جمالًا في الصورة, ربما بسبب حركة يدها.

أما الصورة الثانية فإذا نظرنا إلى أعلاها نجد ثلاثة أشخاص يقفون على البلكون وغالبًا هم شخصان راشدان (رجل وامرأة وربما امرأة غير محجّبة) مع صبي صغير, 














تحتهما نجد مكتبة اسمها الشرق الأوسط.



































إذا نزلنا قليلًا أيضًا وركّزنا على النساء الأربعة المقابلين للكاميرا نجد أنه خلف المرأة التي ترتدي حجابًا أبيضًا والتي تنظر للكاميرا بنوع من الاستهجان وخلفها نرى رجلين أحدهما عجوز ويرتدي قلنسوة بيضاء وإلى جانبه رجلًا آخر والاثنين ينظران للكاميرا أيضًا.المرأة الثانية تنظر للكاميرا بنوع من التحدي بينما تنظر الثالثة أيضًا للكاميرا وهي تحاول أن تحدّد موقفًا منها

ويمكننا أن نلحظ أنها ترتدي صندلًا أبيض وترتدي معه جوارب من اللون نفسه ويبدو أن مقدمة الجورب قد اتسخت قليلًا, أما المرأة الرابعة فإنها تصلح حجابها.


هناك أيضًا ولدين ممسكان بيديّ أمهما وربما يمسك الصبي الثاني لعبةً سلاحًا بلاستيكيًا.


وأخيرًا يمكننا ملاحظة بعض "الأرجل الذكورية" والتي تدل على أن المسيرة مقسومة إلى قسمين: رجال ونساء.








 (4)

































هذه الصورة لم تجذبني كثيرًا, التأليف جيد, ومكتوب خلف الأولاد على التنك في حال أن هنا شخص لم ينتبه "22 شباط عيد الجبهة الديمقراطية", هناك أمر واحد هو الفتاة التي تحتضن بنتًا أو صبيًا صغيرًا لست متأكدًا والصبي الجالس إلى جنبها.




































الفتاة على وجهه شيء من الانزعاج الذي يزيدها جاذبية أعتقد أنها عندما كبرت أصبحت فتاة جميلة بينما الطفل في حضنها هو الوحيد الذي ينظر للكاميرا, أما الصبي فبإمكانكم من رؤيته وهو يمسك بالعصا ومن تعابير وجهه الاستنتاج أنه "سئيل"..

 آه هناك شيء أخر أيضًا كل من في الصورة يرتدي "شحاطة" بإستثناء الصبي السئيل الذي يرتدي حذاءً.

    هذه الصورة أيضًا من تصوير والدي, ألتقطت في مخيم صبرا قبل أيام قليلة على المجزرة.






(5)



الصورة الخامسة لم تعنيني كثيرًا أيضًا, لكنني فكرت هل تقوم المرأة النائمة بتغطية شعرها أم بتغطية عينيها  لتخفف من حدّة الضوء؟





 (6)
















لا شيء مميز في هذه الصورة المحروقة قليلة والتي يبدو أنه التقطت أيضًا في مخيم صبرة وغالبًا عند الظهيرة.






(7)



يقول أبي أن كل الصور التي تجد بها شكلًا هندسيًا فإنها تكون من تصويره وبالتالي فإنني أعتقد أن هذه الصورة أيضًا له. بالمناسبة كم رصاصة أصابت هذا الحائط؟وهل الحيطان المثقوبة كانت بهذه الكثرة حتّى أصبحت ملازمةً لناجي العلي في العديد من كاريكاتوراته؟




هناك فتاة فقدت احدى قدميها, هل فقدتها عندما ثقبت القذيفة الحائط التي تطل منه؟ والصبي الذي يقف إلى جانبها يحمل كلاشينكوف وهو ينظر إليها نظرة إعجاب,

في الخلفية هناك 4 أشخاص: 3 نساء وصبي, المرأة التي تظهر في البعد الأول تقوم بنشر الغسيل وقد تكون أمّ الفتاة, أما الموجودين في الخلف فمن الصعب معرفة ما يقومون به خاصة تلك التي لا يظهر منها غير يدها.





 (8)


هذه الصورة هي الأجمل لكثرة تفاصيلها وللكونتراست القوي فيها وذلك لأنها مصوّرة في عز الظهيرة وذلك يظهر في ظلّ المرأة الموجود تحت قدميها تمامًا.



 هذه المرأة التي تظهر في البعد الأول تحمل بين يديها طفلتها التي ضمّدت قدمها



  ويظهر من خلفها 3 نساء ويبدو أن الاثنتين الواقفتين شقيقتان أو أن تطابق الألوان وقصّة الشعر المتشابهة يعطيان هذا الانطباع.يمكننا أيضًا أن نرى هناك امرأة تقف في الظل داخل المنزل وهي تحمل طفلًا رضيعًا بين يديها وتنظر للكاميرا.




هناك أربعة من قطع الثياب المعلقة مقلّمة.








لدينا أيضًا قناني غاز "مطعوجة" وغالونات مرمية.




لكن أجمل ما في الصورة هي بوسترات الشهداء المعلقة على الحائط, وهم شهداء لحركة أمل كما يظهر إذا نظرنا للبوسترات الثلاثة في الأعلى قد نعتقد للوهلة الأولى أن البوسترين الأوّلين  من الشمال هما لنفس الشهيدين لكن ان دققنا سنجد أن حركة مختلفة بين الشهيدين الموجودتين في البوستر.وأما اذا انتقلنا للبوسترات السفلى سنجد أن الثاني من الشمال هو رسم لأحد الشهداء وقد تمزق قليلًا بفعل الزمن أو الرصاص بينما يظهر في البوستر الرابع صورة لشهيدة تضع حجابًا أبيضًا يظهر قليلًا من مقدّمة شعرها.






 (9)













\





















عندما رأت أمي هذه الصورة كان أوّل شيءٍ قالته: "هيدا مرتضى" في إشارة للصبي الذي يرتدي نظارات ويشبه أخي بشكل ما, دون أن تلتفت للولدين الموضوعين على الحمالة. أنا أيضًا كان هذا الشبه هو أوّل ما لفت نظري خاصة أن حالة الطفلين لا تبدو خطيرةً وان كان النائم في الخلف يبدو مصدوماً.
































في الخلف يوجد رجل يدخن سيغارة وينظر للكاميرا.





 (10)





























حاولت أن أرى ما الذي ينعكس في عينيها لكنني لم أنجح.أشعر أن الدم سيسيل من ذقنها بسبب السلك الشائك.














 (11)





























سأكتفي بما يقوله امرئ القيس في معلقته: تصُدّ وَتُبْدي عن أَسيلٍ وَتَتَّقي بناظرَةٍ من وَحشِ وَجْرَةَ مُطَفِلِ




 (12)














هذه الصورة جميلة جدًا أيضًا, تعابير الوجوه وحركة الأجسام المختلفة بين كل واحدة من النساء الأربعة.













في البداية ظننت أنهن يبكين كمال جنبلاط قبل أن أنتبه أن صورة كمال جنبلاط قديمة وممزقة.























 فقلت بيني وبين نفسي ربما خسرت النجمة مبارةً ضدّ الأنصار, عندما سألت والدي قال أنها التقطت غالبًا في الطريق الجديدة أثناء ترحيل قوات الـ م.ت.ف من بيروت.













هناك بوستر ممزّق في الخلف تظهر منه كلمتيّ "بطولة وفاتن درَزي", أمي قالت أن فاتن درزي ممثّلة كان لها شهرة في ذلك الوقت.





(13)


















ألتقط أبي هذه الصورة في مخيم صبرا قبل أيام قليلةٍ من وقوع المجزرة, وقام بتظهيرها بنفسه ولهذا السبب فإن ألوانها مائلة إلى الصفرة.بعد المجزرة بفترة ليست طويلة كتب مظفر النواب قصيدته عبد الله الإرهابي - أو أن أول مرّة قرأ بها والدي القصيدة كانت بعد المجزرة- التي يقول فيها:

 "وستنهض من بين الأنقاض صنوبرة الحزن


وتغمر صبره بالأفياء

وبساعات خروجك بسلاحك للتنظيف

وتشهد أنك قاتلت الغارات

وقاتلت البحر

وقاتلت طوابير الدبابات

وقاتلت خيانات الدبابات الأخرى

و صمدت صمود الأنواء"

أبي قال لي أنه يعتقد أن الشاعر قد مرّ بالتأكيد أمام هذه الصنوبرة, صنوبرة الحزن.

الاثنين، 15 أكتوبر 2012

الدولاب - فرض 1 لمادة السيناريو



الشمس مشرقة والسماء زرقاء صافية.عصفورٌ يغرّد على شباك نافذتي.لا أبواق سيارات في الشارع ولا صياح باعة, انه يومُ أحدٍ مثالي.أفقت في العاشرة, تحممت, تناولت فطوري ثم وقفت أمام المرأة, مشطت شعري الأسود وحلقت ذقني التي لم أحلقها منذ زمن.لاحظت وجود بقعةٍ سوداء فوق فمي فظننتها بقايا لوح الشوكولاتة الذي أكلته البارحة قبل نومي, حاولت ازالتها لكنني لم أنجح. قرّبت وجهي من المرأة فأكتشف أن البقعة السوداء شامة نبتت خلال المدة الطويلة التي أطلت فيها لحيتي.رفعت عينيّ عنها فرأيت انعكاسهما في المرأة وانتبهت لأول مرّة ٍ أن لونهما بنيٌ وليس أسود كما ظننت منذ ولادتي.
خرجت من المنزل وبدأت بالسير من شارعٍ إلى آخر. كانت الشوارع شبه خاليةٍ إلا من بعض الفتية الجميلين الذين يلعبون كرة القدم أو يلاحقون القطط لإطعامها.ظللت أسير حتى وصلت إلى مدينة ملاهِ كبيرةٍ جدًا لا يوجد بها إلا دواليب دوارة متعددة الأحجام لتناسب الكبار والصغار وعلى كل واحد من هذه الدواليب عاملٌ مسؤول عن تشغيله والتحكم به. دفعت ثمن البطاقة وصعدت إلى إحدى الكابينات. إلى جانبي رجلٌ عجوزٌ جدًا يتكئ على عكاز ومعه فتاة جميلة بشعر أسودٍ طويلٍ وعينان بنيّتان كعيناي.
بعد أن امتلأت كل الكابينات في كل الدواليب أعطى رجلٌ يجلس في غرفةٍ من زجاج الأمر للعمال بتشغيلها. بدأت الدواليب بالدوران ببطئٍ وأخذت سرعتها تزداد شيئًا فشيئًا. كل ما ازدادت سرعة الدولاب كلما ازداد ضحك الأولاد من حولنا وفرحهم, وطالبوا العامل بزيادة السرعة أكثر. فجأةً جنّ العجوز الجالس قربي وأخذ يشتم الأولاد بصوتٍ مرتفع طالبًا من العامل تخفيف السرعة لكن الأخير لم يعره أيّ اهتمام ورفع السرعة كثيرًا مستجيبًا لرغبة الأطفال. عندها طارت العكاز من يد العجوز وبدأ جسمه يتخلخل فتطايرت أصابعه بعيدًا. في الوقت الذي أضحت فيه سرعة الدولاب جنونية, تناهى إليّ صوت العامل يضحك ضحكة شريرة وواصل العجوز تفككه, فطار رأسه وقدميه وطارت يداه ومعدته. كذلك بدأ الناس يطيرون من الدواليب الأخرى, وتحولت الفتاة الجميلة لساحرةٍ عجوزٍ شمطاءٍ, أخذت تضحك مني بتشفٍ وسخرية. فغضبت منها وقمت لأضربها لكن الدولاب انقلع من مكانه وطوّح بي بعيدًا في السماء بينما طارت الساحرة الشمطاء على ظهر مكنسة قش أصفر.
بعد أن قذفني الدولاب بعيدًا مع الكثير من الناس الأخرين ظللت أطوف في السماء لسنوات عديدة, رأيت خلالها الكثير من المدن والأبنية والشوارع والناس, وشاهدت أيضًا الكثير من البحار والأنهار والسفن والمراكب المتعددة الألوان وتنقلت بين الكواكب المختلفة. وكثيرًا أيضًا ما صادفت أناسًا من من قذفهم الدولاب وكنت أبادلهم التحية وأسألهم عن أحوالهم.
لكن فجأةً و في أحد الأيام بدأت بالسقوط من الأعلى وأخذت أقترب من الأرض بسرعةٍ شديدة, كادت إحدى الطائرات الشراعية أن تصطدم بي بينما حاول طائر غريب الشكل أن يلتهمني لكنني سارعته بلكمة على منقاره فلجمته وواصلت سقوطي. أخذت البنايات تكبر وتكبر والسيارات كذلك وبدا البشر كنملٍ يكبر في كل لحظة عشرات المرات. وحين أخذ كل شيءٍ يصبح واضحًا بتفاصيله الدقيقة تمكنت من التعلّق بشرفة إحدى الشقق في بناية رمادية اللون.تمسكت بالدرابزين بكل ما أوتيت من قوّة, وكان على الشرفة 3 أطفال يتبارون فيمن يستطيع بينهم أن يبصق في رأس أحد المارة في الشارع.  صرخت بهم طالبًا مساعدتهم فاقتربوا مني بحذر وهم يمعنون النظر في هذا الكائن الذي سقط عليهم من حيث لا يدرون, قبل أن يتشجع أشدهم سمنة ويقترب من الدرابزين مادًّا رأسه ليصبح فوق رأسي فيبصق فيه ثم يعيده للخلف. ليقول للتوأمين ذوي الشعر الأشقر أنه الفائز لكن الطفلين يغضبان ويتهمانه بالغشّ ويدعسان على قدميه فيقوم الفتى ذو الخدود المتوردة بلكمهما, ويرتفع صياحهم غير ابهين لوجودي.يدي المتعرقة لم تمكنني من  التمسك بحديد الدرابزين الأملس فهويت. لكنني نجحت بالتمسك بشرفة الطابق الأسفل, حيث كان يجلس رجلٌ يشاهد نشرة أخبارٍ يؤكد المذيع في بدلته الرسمية وابتسامته العريضة سقوط مئات القتلى وقرب انهيار النظام بينما تقوم زوجته برميّ ابنها بالشحاطات وهي تشتمه وتشتم الساعة التي أنجبته بها. حاولت أن أصرخ بهم لكنهم لم يستجيبوا لي حتى هرب الصبي من أمه إلى الشرفة ورأني فصرخ فزعًا مشيرًا إليّ. عندها رأتني الأم وأخذت تولول بصوتٍ مرتفع وهي تشتمني وترميني بالشحاطات بكل ما أوتيت من قوة فاختلّ توازني وسقطت مرّة أخرى. لكن حسن حظي جعل قميصي يعلق بقضيبٍ حديديٍ نافرٍ من إحدى الشرفات, مما سمح لي بأن أتمسك بالدرابزين للمرّة الثالثة. في هذه المرّة كان هناك امرأة ثلاثينية تشاهد مسلسلًا على التلفاز, حين هممت بمنادتها بدأت بالبكاء والنواح دون أن تعيرني أيّ انتباه. في الوقت الذي أطلّت به المرأة من الطابق الأعلى موجهةً إليّ رميتها الأخيرة التي أصابتني في رأسي إصابةً مباشرةً. فسقطت وارتطم رأسي بالأرض والدم ينزف منه بغزارة ثم متّ. فتجمع الناس حوليّ بكثرةٍ, وقام أحدهم بطلب الشرطة والاسعاف.امتلأ الشارع بالناس وازداد التجمع حولي متسائلين عن هوية الفتى الميت, وبقوا جميعًا منتظرين وصول سيارة الاسعاف التي لم تأتي, رغم أن الشمس أخذت بالمغيب.
 عندئذٍ شعرت بالشفقة على هذه الجموع المنتظرة فتحسّست الجرح في رأسي وتأكدت من توقف النزف, ثم قمت واقفًا. نفضت الغبار عن وجهي وعن ثيابي, و اعتذرت من الناس على جعلهم ينتظرون كل هذه المدة وعدت إلى منزلي فرحًا مسرورًا.

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

وَجهُهُ المُتعَب



"أدر وجهك لليمين قليلًا.
نعم هكذا,نور الشمس على وجهك رائع لو رأه رجلٌ على طائرة في السماء لصوّرك"
******
هناك سيارة تلتهم الطريق وهو يبتلعها.
يغمض عينيه, يشعر بازدياد وهج الشمس تارةً وبخفوته تارةً آخرى,وسرعان ما تترأى له السيارة تتمايل بعنف جراء بقعة زيت كبيرةٍ وسط الطريق قبل أن تصطدم بعامود كهرباء ويموت كل من فيها من عداه لأنه قفز قبل أن تشتعل.
"لماذا كلما تخيلت هذا الحادث, تبقى انت وحدك حيًا ويموت الجميع؟ من أنبئك بذلك؟" يسأل نفسه ويتابع:
"خط العمر طويل في يدك! هل تصدق أمورًأ كهذه حقًا؟"
يفتح عينيه, يريد أن يقول شيئًا لكن لا كلماتٍ تخرج من فمه فيغمض عينيه مجددًا.
"ما بال هذه الكلمات لم تعد تجتمع في جملة؟ منذ متى فقدت القدرة على الكتابة وحكاية أفكاري؟أمنذ قرأت شعر المتنبي وأبو الفراس وشعر الجاهليين العظام وشتمت النظام التعليمي الذي لم يخبرنا عنهم يومًا؟ تشتعل في داخلي رغبةٌ حارقة لكتابة الشعر لكنني لا أقدر على ذلك,هل لأنهم قتلوه و استسهلوه وأصبحنا كلنا شعراء؟ أم لخوفي من "
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا وموجُ المنايا حولَها متلاطمُ " و "مهفهفة بيضاء غير مفاضة  ترائبها مصقولة كالسجنجل" من كل هذه البلاغة؟ من أيّ مزراب انسربت يا ترى؟ هل انسربت بسرعةٍ أو ببطء حتى فقدناها؟ ما قاله المتنبي في كلماتٍ تسعٍ نحتاج اليوم لكتاب تاريخ ليحكيه وما قاله امرئ القيس في بيتٍ واحدٍ نحتاج قصيدة كاملة لقوله."

يفتح عينيه مرّة أخرى, فيرى البحر الازرق ممتدٌ أمامه.أزرق, أزرق.
"كزرقة عينيّ ليلى, يا وجه ليلى اظهر لي مرّة أخرى, كما ظهرت من شباك سيارةٍ منذ سنواتٍ ثلاث. يا ليلى ابتسمي لي كما ابتسمت لي شفتاك يومها, شتفتاكِ اللتين قد رأيتهما في كل الشفاه التي قبلتها دون أن أقبلهما.
يا وجه ليلى المتعب اظهر عليّ مرّة أخرى, حل مكانك وجه رجلٌ بلحيةٍ طويلةٍ, رجل برغبةٍ منكرةٍ بحرق كتب الآخرين, كرغبتي بمعاقرةِ الخمر ومضاجعةِ كل نساء الأرض,كرغبة صديقتي بالصراخ معترفةً بخوفها من القمر, كتواطئ العائلة على تصديق أن القريب الذي مات دون أن يصلي يومًا سيدخل الجنة, لأن الله يحبنا ولأن الله يسامح.
إن كان الله يحبنا لماذا يخلقنا  ويجعلنا نكبر و نمرض ويترك أيادينا تتجعد ومن ثمّ يميتنا؟
يومها صرخ المعلم في وجه الصبيّ: "لو لم يكن الله يحبك لخسف الأرض وغطّى جسدك بالركام"  وأجاب معلم آخر بعد سنين عدّة بـ"أن الانسان تجاوز أسئلة كهذه التي لا اجابة لها.
ليتني أقابل الله لأسأله,
ليتني أضبطه بيننا متخفيًا كعاشقة عائدةٍ عند الفجر لأسئله لما خلقتنا؟
لأقول له أريد أن أكون نبيًا يا الله ورجلًا لا يموت.
سيمر وسيكون جميلًا كالأيقونات الكنسية
سأخبره عن أنبياءه اللذين خلقوا بلا نبوة
سيمر الله
لأسئله لما خلقته خاتمًا للنبوة
ألا نستحق أن أكون نبيًا أيضًا؟
لما خلقته خاتمًا للنبوة؟ وتركتنا لخواء الصحراء؟
ألسنا بحاجةٍ لحواريين ولأئمةٍ وصحابة؟
سأقتله وأصير إلهاً مكانه.يقول فيلسوف نصف مجنون, لطالما تخيل الله يحاول النوم في النهار ومستفيقًا في المساء محدقًا من عليائه بالكرة الزرقاء متسائلًا:"هل أنا من خلقت هذا الشيء؟"
ويفكر:"هل مات الله من اعياءه وقلّة نومه فأخلفه عندها دون الحاجة لقتله؟"

نور الشمس لا يزال يقوى ويخفت, يشعر به على عينيه المغمضتين.
"من أين أتت كل هذه الكلمات وملأت الصفحة البيضاء؟ وأنت تقول ما بال الكلمات لا تأتي؟ أهو الخوف من تيهٍ منتظر ما جعلها تتدفق هكذا؟ يا روحي الحمقاء المليئة بالتعب ألا تقدرين أن تتكلمي دون تشبيهاتك الكثيرة هذه؟ أن تنسي حرف الكاف والتشابيه الزائفة؟ أن تتكلمي كروح أي رجلٍ في مقهى شعبي أو امرأةٍ في سوق قديم"
-"هيا انزل من السيارة, لقد وصلنا"
***************
"كان المكان جميلًا جدًا, كأنه قد خرج من كتاب الله أو من الأحاديث النبوية.
كل شيءٍ أخضر أخضر تخترق تلاله وسهوله خطوط زرقاء كثيرة تلتقي عند منبع النهر
وكنا جميعًا هناك وقال البعض أن الله كان معنا كذلك, كنا جميعًا بهيئاتنا وملابسنا البشرية نفوق المكان جمالًا.
اقترب مني رجل عجوز وقال: "هذه ليلى" وتنحى جانبًا. لتظهر ليلى بوجهها الخدر وعينيها الزرقاوين الناعستين, وكنت أعرفها كما يعرف عصفور غدير ماءه.
وفجأة سمعنا أصوات صاخبةً قادمةً من بعيد, ثم امتلأت السماء بالطائرات."

الخميس، 6 سبتمبر 2012

كانون الصيّفي (بقايا كافكا)


حباتُ العرق تتجمع على صدغيّ الأيمن وتتسلّل ببطئٍ إلى باقي الوجه ومن ثم تغمر الجسد.
هل هذا كانون حقًا؟

المروحة تدور منذ الصباح بالحركة البليدة الثابتة نفسها دون تغير بينما تجتاح جسدي رغبةُ غامضةٌ للنوم رغم ساعات الليل العشر,عيناي شبه مفتوحتين,شبه مغمضتين على أسفل صفحة في كتاب يقول الرجل فيها أنه سينفض يده من بوذا وسيحرر عقله من القلق الزائف وسيتصل بالناس اتصالًا وثيقًا مباشرًا.وأحاول أن أعرف لماذا قرر الرجل ذلك,لا عيناي ترتفعان إلى أعلى الصفحة ولا ذاكرتي تسعفني بتذكر ما قد قرأته وأذهب بعيدًا وأرى الكلمات تهجم عليّ من جميع الجهات دون أن أحاول الهرب قبل أن تعيدني المروحة التي تدور وتدور وتوقظني بصوتها.أتلمس شفتيّ اللتين قد بدأتا بالتحول لقطعةٍ من منحوتةٍ اغريقية,أهرع للمطبخ وأشرب كوبًا,كوبين وثلاثة والظمأ يزداد كأن نبتةً نمت في أسفل حلقي تمتص جذورها كل ما أشربه.
أي حرٍّ هذا وأي كانونٍ هذا؟
سأخرج للشرفة علّ هواء المدينة هواء كانون.ها أنا خرجت وأخذت أنصت السمع لوقع أقدام طفلٍ يركض في الشارع فرحًا, ووقع أقدامه واضحٌ رغم أبواق السيارات.الحر هنا أشد من الحر في الداخل. أخرجُ جسدي من الشرفة أكثر وأطلّ برأسي محدقًا في شبابيك البناء المجاور,هل خرجت إلى هنا طمعًا بهواءٍ باردٍ حقًا أم لاشتعال رغبتي مجددًا بعد أن ماتت منذ زمنٍ بعيد؟فخرجت طمعًا برؤية فتاةٍ تتعرى قبالة شباكها أو امراةً متزوجةً تقبل عشيقها وينعكس جسديهما على زجاج النافذة.وبدأت دون أشعر بالصراخ عاليًا لا أعرف ماذا أقول منتظرًا أن تخرج الناس أفواجًا ملوحةً بقبضاتها في الهواء وهي تصرخ وتحملني على أكتافها لأقودها وأصرخ أكثر وأكثر.لكن لا شيء يحصل أيضًا,فلا طيب فمٍ خالصًا للتقبيل يظهر ولا سيفًا خالصًا للثورة.
أشياءٌ كثيرةٌ تجتاحني اليوم.كافكا يجتاحني بينما لا أزال واقفًا على الشرفة,أفكر فيه وبوالده:هل والده هو والدي ؟ أم هو أنا؟ قبل أن يظهر والدي قادمًا من رأس الشارع ومن خلفه شرطيٌ يحدق في شرفات الأبنية كلها. هل أحضره أبي ليلقي القبض علي بعد أن سمع صراخي؟
أرتدي حذاءي بسرعةٍ وأهرب من المنزل بسرعة. أصعد في سيارة أجرةٍ حمراء متهالكة.يسألني السائق إلى اين أريد الذهاب فأطلب منه الاسراع قليلًا والابتعاد عن هذا الشارع وأبدأ بالتحديق في الأبنية, وأسأل "من هذا الذي كان يصرخ؟" وأمعن النظر أكثر في الشرفات.
يكرر السائق سؤاله,أنظر في عينيه بصمتٍ وأربت على كتفه المهترئ وأضحك وأقول "لنذهب إلى منزل صديقي الذي لم أره منذ زمنٍ بعيد لعله يبقيني عنده ليثما يهدأ والدي."
فيبتسم الرجل العجوز ويواصل القيادة ونبتعد عن الشارع ببطءٍ قليلًا قليلًا ويخفّ خوفي قليلًا قليلًا قبل أن ندخل في شارع تملأه السيارات والزحمة وأناس كثيرون عائدون للتو من المقبرة المجاورة بعد أن طمروا جسدًا آخر تحت التراب. فيعود القلق إليّ وأتحسس ثيابي التي أضحت مبللةً بالكامل وشفتيّ اللتين أضحتا حقًا قطعة من منحوتةٍ اغريقية وزجاج النافذة اللذي ألهبته الشمس اللتي ازدادت قوة.
الناس يحدقون فيّ بشكل غريب والسيارات لا تزال واقفة دون حراك.السائق يطلق العنان لبوق سيارته ويبدأ بالصياح وبالتشاجر مع سائق مجاور بينما يزداد بلل جسدي وتحجر شفتيّ.
صوت سيارة اسعاف آتٍ من بعيد يقترب شيئًا فشيئًا.هل مات شخصٌ آخر الآن؟
أسفل حلقي يتضخم,انها النبتة التي تمتص كل ما أشربه,انها تكبر فيه وتتمدد.غصنٌ النبتة يخرج من فمي فأقضمه محاولًا التخلص منه بينما يقترب صوت سيارة الاسعاف أكثر ويخرج غصنٌ آخر من فمي وأحاول أن أقضمه دون أن أنجح.
صوت سيارة الاسعاف يملأ أذني وأغصانُ النبتة وعروقها تبدأ بالخروج بكثافةٍ من فمي وتغطي وجهي وجسدي,تخرج منها حشراتٌ صغيرة تأخذ بنهش جسدي.
زحمة المرور تنفك والسيارات تبدأ بالسير من جديد, وصوت السائق يتداخل مع صوت سيارة الاسعاف وهو يعلو ضاحكًا بشماتة.