الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

أربعة خربشات ناقصة, غير مترابطة.

(1)
هناك, في الدائرة المتمدّدة دومًا قرب البحر الميت, أمسك بيد الفتاة ذات الشعر الأسود والعينين العسليتين. ابتسم, وأسرّ لها بكلام لم يفهمه, فضحكت. بعدها أفلتته فركض ثم قفز في الماء, وبدلًا من أن يطفو على سطحه بدأ بالغرق. قاوم قليلًا ثم التفت بصمتٍ إلى الفتاة. كانت تصرخ وتركض بإتجاه البحر. أومئ لها برأسه أن لا تقترب واستسلم للماء الذي يسحبه للأسفل, شاعرًا بطبقة سميكةٍ من الملح تنمو على جلده. متذكّرًا الرجل الذي "بلّعه" رجال الدرك كيلوين من الملح حتى يعترف.
*******
(2)
طلبوا من ركاب الحافلة النزول بإستثناء السائق, الذي تُرِك بعد التأكد من هويته. وضعوا جميعًا في شاحنةٍ كبيرة نقلتهم في رحلةٍ طويلة إلى مصنعٍ مهجور. ومن بعدها حمّلوا في القطار إلى أحد معسكرات الاعتقال.
جرّب ألكسندر, اخبارهم بأنه ليس يهوديًا وبأنه اضطر لركوب الحافلة لتعطل سيارته, لكنهم لم يصدقوه. قال أنه عالم في المرصد الفلكي, لكنهم لم يسمعوه. فتّش في جيوبه, وفي الشنطة التي بقيت معه حتى صعوده إلى القطار طويلًا عن أوراقه, عن هويته أو بطاقة العمل, عن أي شيء.لكنه كان قد نسيها كلها في السيارة. رغم توصيات زوجته المتكرّرة بعدم نسيان أوراقه الثبوتية في أوضاعٍ كهذه.
في معسكر الإعتقال رُمي في مهجع يضم أشخاصًا من جنسيات مختلفة, عاجزين عن التفاهم فيما بينهم. عند العودة من العمل مساءً, كان يصاب بالآرق من اللغات الكثيرة التي يتراشق بها المعتقلين ومن الأسرة الخشبية المؤلمة والمؤلفة من طابقين. الرجل الذي يشاركه السرير, أحس بمعاناته وترك التخت السفلي له, كان أكثر شبابًا وقوّةً منه. بينما كان هو في الخمسين من العمر وبدا في السبعين بعد عدّة أسابيع في السجن. فكّر أن الرجل يشفق عليه, فرفض هذه الشفقة مصرًّا على النوم في السرير العلوي. أصرّ على هذه التقسيمة دون أن ينجح في التفاهم معه باللغة. كانا يتواصلان بالإشارة فقط. ومع الوقت تعوّدا على بعضهما البعض. علم لاحقًا أن جاره "سيمون" هذا مثله, لم يعلم لما أوتي بهِ إلى هنا. وبأن الكلمات التي كان "يترشق" بها حين يعجزان عن التفاهم بالإشارة, كانت بالعربية. أخبره بذلك عجوز روسي, عاش فترة قصيرة في حلب, دون أن ينجح في ترجمة ما يقوله. نجح فقط في معرفة أنه سوري وبأن اسمه سمعان. جرّب أن ينطق الإسم أكثر من مرّة لكن حرف العين بقيَ عصيًا عليه, سمأن, كان يقول.
هناك في عتمة الزنزانة, وفي الليالي الطويلة التي انتهت احتراقًا. حمل عنه سمعان السوري صليبه, كما حمل سمعان القيرواني الصليب عن المسيح في درب الجلجلة. كان يعرف أن ترك الروسي الكهل وحده يعني أخذه للمحرقة. فكان يوقظه عند الفجر ليلحق بالعد الصباحي دون التعرض للضرب, يبذل جهدًا مضاعفًا مع غيره من السجناء كي لا يظهر تقصيره في العمل بسبب بطئه وفي المساء كان يعطيه شيئًا من حصته في الطعام دون مقابل.
عندما يحل الليل ويغطّي الصمت كل شيء كان ألكسندر يسمع من سرير جاره, غناءً خافتًا بهذه اللغة التي لا يفهمها والتي تقطر كلماتها موسيقى وحزنًا.
لن يعيش الروسي, الكهل الخمسيني و العالم في المرصد الفلكي, ليرى أحفادًا له في زمنٍ لاحق ينطقون بهذه اللغة الغريبة التي يرشح منها الغناء. ولن يدري أن شابًا من الجليل سيلاحق إحداهن طويلًا بأبياتٍ من تلك التي يغنيها جاره, لقيس وجميل وعنترة وباقي عشاق العرب, حتى يوقعها في غرامه.  
أغرقت رأسها في صدره. أخذ يمرر أصابعه في خصلات شعرها الذهبية, منتظرًا بقية الحكاية. أمسك بيدها. مرّر أصابعه على خطوط راحتها ثم صعد ببطئ إلى ذراعها وأحس بالخطوط النافرة مكان الجرح العتيق.

- "وهيدي شو قصتها؟", سألها وعلى شفتيه ابتسامة غريبة.
- "هيدي ما شي, ما الها قصة", وأخذت تبحث عن شفتيه.
أشاح بوجهه عنها, فأمسكت رأسه بيديها وأعادته إليها, لامست شفتيها شفتيه, لكنه لم يتجاوب.
-"قلتلَّك: وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح."
- "بس إنتِ منِّك شهرزاد. شهرزاد شعرها أسود, إنتِ شعرك أشقر.", قالها بالكثير من الطفولية.
نظرت إليه بغضبٍ مصطنع.
- "ايه أنا شفتها بالرسمات القديمة."
رفعت اصبعها ومررته على أنفه:"بينوكيو, بينوكيو", قالت له بلهجة مسرحية وضحكت بحزن.
أمسك بيدها وقبّل رؤوس أصابعها الواحد تلو الآخر. ألقت رأسها على كتفه بتعب:
- "سكتت شهرزاد لأنو إذا كفت القصة, ببطل يخلص الحكي وبتبطل تخلص اللعبة أو بيخلص دغري وبتخلص اللعبة, وأنا ما بدي اللعبة تخلص. ليه بدها تخلص اللعبة؟... بتخلص اللعبة لأنو بتخلص القصة, كل القصة وأنا ما بدي ياها تخلص. "
أمسكت بيده وجعلته يمرّرها على شعرها, يمسّده.
ساد الصمت لدقائق, كان لا يسمع فيها غير صوت أنفاسهما, واحتكاك الأصابع بالخصلات الذهبية. تذكر ما كانت تقوله لعمتها عن شعرها: هودي مش شعرات أصلًا. هودي دهب.
 هي أخبرته بهذه الحكاية كما أخبرته بغيرها الكثير, لكن لماذا ترفض الحديث عن جرح ذراعها؟ قال لنفسه بحنق, ثم قرر أن يقطع الصمت: "قلّك شو؟ خلينا نعكس اللعبة, نشقلبها. إنتِ صرلِك زمان عم تحكي, وكرمال ما تخلص قصتك, صار دوري أنا إحكي قصصي هلأ. إنتِ بتصيري تسمعيهن وهيك بترجعي بتتذكري قصص... بتخترعي قصص."
انتظر إجابتها, لكنها كانت نائمة. ترك الأريكة بهدوء. وبهدوءٍ أيضًا مدّدها على الكنبة واضعًا تحت رأسها وسادة.
ثم جلس على الأرض قبالتها مستمعًا لصوت تنفسها المنتظم الذي يلفح وجهه. فكّر أن شكل أنفها غريب كما كل الفتيات اللواتي أحبهن قبلها, ثمّ بدأ يحكي...
*******
(3)
تقول الحكاية أنها منذ أن فتحت عينيها كان الناس يصابون بالذهول كلما نظروا اليهما, إلى حزنٍ مجدليٍ يسكنهما.
لكنها كانت تعرف أن هذا الحزن لم يغزوهما, دموعًا عالقةً في المحاجر. إلّا بعد وفاة الأخت الصغيرة. خالقًا غشاوةً فوق عينيها, جعلت الأشياء تمر من حولها سريعًا وتُنسى: الأهل, رفاق المدرسة والجامعة. الزوج لاحقًا والأولاد.
في النزع الآخير فقط زالت تلك الغشاوة معيدةً إلى عينيها ذاكرة كل الأشياء التي فرّت منهما, محيلةً عينيها  كعينيّ أختها عسليتين.
*******
(4)
قالوا أنّها الست وأنها وصلت توًّا من مرقدها في الشام. نزلت من سيارة سوداء طويلةٍ جدًا. وبدأت توزع المال على الناس المصطفين على الجهتين دون أن ينضب. عندما وصلت إليها ابتسمت, وقالت أنها اختارتها هي, "أنا؟" تساءلت الصبية. فأومأت المرأة المتّشحة بالسواد برأسها.
استسلمت لها الجميلة وسارت إلى جانبها بإتجاه البحر, وكان البحر أزرقًا أزرق, أشد زرقة من السماء. وما ان وطأتا الماء حتّى أحسّت الصبية بجسدها يطير. صرخت: "يا أمي, يا أمي." وضعت الست يدها في راحتها وطمأنتها أنها ستلحق بهما قريبًا.
...ثمّ اختفيتا عن صفحة الماء.


الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

فتاة الدائرة

إلى ذلك المربع أتت راكضة, سقطت بالقرب منه, نهضت واقتربت, وببطئٍ شديد ضمته, لثوانٍ عدّة. قبل أن تنظر في عينيه بخوف. وبخوف أيضًا أفلتته واستدارت راكضة, وبينما كانت تركض, كانت تصغر وتصغر لتعود طفلةً صغيرة تركض في خطٍ دائري.

اسمه قيس, ويظن أنه ورث القليل من جدّيه امرئ القيس وقيس بن الملوح. عمره 25 عامًا وما زال محافظًا على عذريته كأي فتاةٍ عفيفة من عائلة محافظة.

"إنتَ بتنام مع الكتب والدواوين.
...وكاسيتات أم كلتوم كمان."

فتح قيس عينيه, دخل الحمام, لبس ثيابه, شرب القهوة من الركوة الصغيرة التي يعدها بنفسه كل صباحٍ في مطبخه الصغير, وخرج من منزله المؤلف من غرفتين.

"السما معبقة كأنها بدا تشتي ومش عم تقدر.
سماع هلأ, كانت عم تركض ووجها عم يتغير كتير ويمكن كانت عم تكبر, ولما وقعت حدي, قربت ايدها بس أنا ما عطيتها ايدي. قامت وكانت متل ما هيي هلأ. قربت مني وعبطتني, وعبطتها. مش كتير, فلتتني وطلعت فيي كأنها خيفانة, أو كأني كشفتها, كشّفتها, ما بعرف. بلشت تركض بس خلص كانت عم تصغر وتصغر هيي وعم تركض كأنو ع خط دائرة واختفيت ورا الحيط.. عرفت كيف كأنو بس خليتها تحب, كسّرتلها الصورة اللي عامليتا و..."
"دخيل الله شو بتفلسف وبتتفلسف.."

اسمه قيس, وكل عامٍ أو عامين يتسجل في كلية مختلفة لا طمعًا بتحصيل معارف كثيرة بل ليحافظ على المال الذي يحصل عليه من المعاش التقاعدي لوالده المتوفى من الدولة.

"وبس يصير عمرك 28 ويبطلو يدفعولك؟
..."

لم يؤمن بجدوى العمل, أيّ عمل. حتى الكتابة. "اسّا ما بيبقاش شاه" يردد العبارة باللهجة نفسها التي يقولها جارهم الجنوبي الذي فقد بيته وعائلته في اجتياح 82, كلما حاول أحد دفعه للعمل.

"ليش بتكتب طيب؟"
"مين قال؟"
"شفت الدفتر هيديك اليوم, اللونو أخضر."
"آه, هيدا مش الي, لقيتو ع التَتْخيتة عنا بالضيعة. كان لبيّي"
"ما بو شي أبوك, بيكتب منيح"

لم يُري أحدًا ما يكتبه, لا عندما كان يكتب يوميًا ولا اليوم عندما أصبح يكتب بشكل متقطع. يكتب ويسخر من ما يكتبه, دون أن يمزّق شيئًا: تراوده رؤية بأنه سيأتي بالقليل من ما آتى به جدّاه: امرئ القيس وابن الملوّح.

"بس تشوفها لحالك بتقول: ترائبها مصقولة كالسجنجل
نمت معها ليه؟
لأ..
ايه كيف شفت أنو كالسجنجل؟ انتَ شايف بنت مزلطة أصلًا لتعرف المصقول من المش مصقول؟
بعين القلب رأيت, ويضحك
قلبت صوفي مبيّن؟"

حسام هو الذي قرأ في الدفتر الأخضر. وهو الوحيد الذي زاره في منزله المكون من غرفتين, لأن الانتقال من غرفة إلى آخرى كالانتقال من عالم الى آخر كما كان يقول. سمح له بذلك لأنه يشبهه.

"أنا بشبهك؟ أنا نايم مع نسوان ع قد ما انتَ حاكي عن نسوان"
"..."

كانت يعرف أن حسام يشبهه وأنه يعرف أنه يشبهه: يعمل في تجليد وتلصيق الكتب العتيقة ليتمكن من دفع اجار غرفته فقط. لأنه مثله لا يؤمن بجدوى العمل, أيّ عمل. حتى الكتابة. ومع ذلك كان يكتب, يكتب ويمزّق ولا يُري أحدًا. لكن قيس كان يعرف بعين القلب كما يردد ويضحك.

"انتَ حتكتب رواية
قلتلك من شويّ, أنا ما بكتب..
بكرا رح تنشرها كمان
بعين القلب عرفتها هيدي كمان يا حلاج؟
ايه بعين القلب, يا تولستوي." ويضحك.

لم يصدقه حسام, وهو لم يكن يصدق نفسه. يخترع الحكايا والرؤى وفي المرات القليلة التي كان يرى فيها بعين القلب حقًّا, لم يتحقق شيء من رؤاه هذه: أيلول الذي سيموت فيه أحد يحبه مرّ, والصديق الذي سيهاجر بقي يعيش في قريته, وعمله الذي سيفخر به جدّاه لم يتحقق لأنه لا يكتب الشعر أصلًا. حتى رؤياه عن الفتاة في الحلم لن تتحقق.

"دايمًا بتقول امرئ القيس قبل مجنون ليلى حتّى و..
اسمه قيس بن الملوّح مش مجنون..
مش مهم الاسم, المهم الفعل, حبيبي امرئ القيس كان ملك وشاعر وسكّير ونص نبي, انتَ حتى قيس العاشق المعتر ما بتشبهوا: بتحكي, حكي ومش شعر,وكل يوم بتحب بنت شكل. لا ملك ولا سكّير و"نبؤاتك" ما بصير منها شي, ربع نبي ما بتطلع."

لمى صديقته التي تكبره بعدة سنوات فاتها سنّ الزواج - كما تقول- وتحبّه..تغويه فيبتعد ويكتفي بالابتسام حين تقسو عليه بالكلام, يبتسم بمرارة ربما لكنه يكتفي بالابتسام ويمضي.

"انتَ بتنام مع الكتب والدواوين
(وبسكر فيهن, أراد أن يقول لكنه تذكر أم كلتوم)
..ومع كاسيتات أم كلتوم"

اسمه قيس, هو دودة كتب لكن عندما كان الأمر يتعلق بالجامعة فإنه يعجز عن اكمال صفحتين. حتى عندما تسجل بقسم الأدب العربي, كان يبدأ بمطلع معلقة جدّه "قفا نبكي من.." ويشعر بالاختناق. يرمي المقرر الجامعي ويأتي بكتابه الضخم فتسيل الكلمات على عينيه وجسده وتختلط الأبيات بالأبيات والأوزان بالأوزان ويسكر باللّغة.
ابتعد عنها, والسماء الغائمة المحتبسة سالت أمطارها بغزارة.

"امشي طلاع لعندي.. لوين رايح بهالشتا؟ بشربك نبيت تاع, مش ضايق النبيت انتَ لأنك مش سكّير متل امرئ القيس, النبيت بدفي.."

غاب الصوت عنه وواصل مشيه مبتعدًا. يريد أن يرى حسام رغم أنهما كانا سويةً هذا الصباح. الهواء البارد يصفع وجهه فيشعر بجلده يتشقق وبحبال المطر تقبض عليه.

"بحب الكتابة الذهنية, بتضل تغير الكلمة لتلاقي الكلمة اللي بدك ياها متل الشعر. بتحط الفواصل والنقط, بتاخد نفس انتَ وعم تقرا وبتكفي. هون نقطة, بتسكت. بترجع بتبلش فقرة جديدة."

دخل إلى البناء العتيق الذي يسكن فيه حسام, فخفّ البرد, نفخ في يديه وبدأ بصعود الدرجات ثلاثة, ثلاثة.
قرع الجرس وانتظر. لم يسمع وقع أقدامٍ يقترب.. دق الباب الخشبي فلم يفتح أحد. جلس على الدرج ليرتاح قليلًا لكن رجلين صاعدين يحملان كنبة أجبراه على الوقوف ليمرّا. انتبه الى أنه مرّ بـ بيك آب قرب المدخل, يبدو أن سكانًا جددًا سينتقلون الى البناء. يقرع الجرس ويدق الباب في الآن نفسه لكنه لا يسمع سوى ارتطام حبّات المطر بشباك الدرج.كما صعد نزل ثلاث درجات في كل خطوة, ووقف في المدخل مقرّرًا انتظار حسام فربما كان نائمًا أو في الدكان. أخذ يراقب العمال في صعودهم وهبوطهم, مستمعًا لوقع خطواتهم ولسقوط المطر على أكياس النايلون التي تغطي الأغراض.

عندما شارف العمال على الانتهاء من نقل الأغراض التي لم تكن كثيرة, فكّر أن السكان الجدد لا بدّ أن يكونوا طلّابًا أو طالبًا وقرر الصعود من جديد ليدقّ على حسام. وبينما كان يستدير ليصعد سمع وقع أقدامٍ سريعًا على الدرج ورأى فتاة الجامعة, فتاة الحلم نفسها تتعثر لتسقط على الأرض أمامه في المدخل المربّع. وقف مدهوشًا للحظات في الفتاة التي تأنّ ألمًا. اقترب منها, أمسك بيدها وساعدها على الوقوف بينما مدّ يده الثانية ليمسح الوحل الذي ملأ الأرضية من أحذية العمال عن وجهها, وأحس بالكبرياء يغدو على وجهها كرياتٍ من الدموع وباليدين الصغيرتين محاولتين تطويقه في عناق. مرّ بيده على الوجه بسرعة وركض إلى الخارج وفي كل خطوة كان يحس بأنه يكبر ويكبر, يتناهى الى مسامعه ضحك جدّه امرئ القيس وبكاء جدّه قيس بن الملوح.
.
.
.
فكّر قيس وهو مبتلّ تمامًا, مصابٌ بالزكام والعطاس يخلع حنكه: " أليس الجانب الأمتع من الحياة هو تلفيق حكايات ممتعة والاستماع إلى حكاياتٍ ممتعة؟
...ماذا عن عيشها؟ "

السبت، 7 سبتمبر 2013

تخاريف عن الروايات والحرب وتولستوي

الكلمات تسيل من يديّ, كلّ الكلمات.
حتى كلمات الروايات التي أكثرت من قراءتها تفرّ لتظهر في أحلامي, تؤرقني.
 
الصفحات الكثيرة تنهال عليّ, صفحةً تلو الصفحة, سطرًا تلو السطر, شخصية اثر أخرى. هناك صوت, صوت يقرأ الكلمات بسرعة ويقلب الصفحات.
******
يقول تولستوي أن نابليون غزا روسيا في 1812 وأفنى جيشه من أجل كبرياءه وكبرياء فرنسا. 
يقول أبي أن أوباما سيضرب سوريا لأن صورة أمريكا القوية ستهتز في العالم ان لم يفعل. 
أنا أصدّق كل ما يقوله أبي لذلك سأصدق ما يقوله تولستوي. .
******
قرأت الكثير من الروايات والقصص في الأشهر الأخيرة: أريد أن أصبح روائيًأ, قصاصًا, كاتب حكايا أو حكاية (واحدة) لا فرق.
لكن بدلًا من ذلك كنت أغرق داخل التلة, التلة نفسها, أغرف الكلمات عن سفحها لتسيل من يدي وأغرق فيها أكثر,
 
أغرف, أغرق, أغرف, أغرق, أغرف, أغرق.
نوع من سيزيفية معكوسة.
******
أحب حين أنجح في توظيف مخزوني الميتولوجي في وصف شيئٍ ما: قرأت جزءًا من كتاب عن أساطير اليونان مرّة إضافة للإلياذة والأوديسة وأنيادة فرجيل الروماني.
...
ربما ليس لسيزيف علاقة بالأمر, سيزيف كان يرفع الحجر الى أعلى الجبل فيسقطه ليرفعه من جديد, أما أنا فسقوط متواصل عامودي إلى قلب الجحيم دون صعود وصولًا الى كوسيتوس (استعارة آخرى موفقة من مخزوني الميتولوجي).
******
تخطر على بالي الكثير من الحكايات لأكتبها, الكثير, الكثير. لكنني دائمًا ما أنتهي بالتخلي عنها, اما لأنها كيتش أو لأنها مكررة. أخبرت صديقة لي مرّة عن قصة كنت أنوي كتابتها عن رجلٍ لديه رعب من السيارات ليموت بعد سلسلة من التقلبات والمشاكل التي تواجهه في انفجار سيارة مفخخة, بأسلوب مشابه لسخرية ساراماغو في "كل الأسماء", لم أقل لها بالتأكيد عن ساراماغو, لكن السيارات المفخخة وبدأ الجميع يحكي عن خوفهم منها, وعن تخيلهم لمكان الانفجار التالي وعدد الضحايا وبالتساؤل عن ما يشعر به القاتل. 
فقرفت وشطبت الحكاية.فأنا أكره الكيتش. ( أحب مصطلحات المثقفين -الذين أعد نفسي منهم-: كيتش, ميديوكر, انتلجنسيا, بلا بلا بلا...) 
******
مرّة أخرى بدأت بكتابة قصّة تتألف من مقاطع يتناوب على السرد فيها ثلاثة أصوات, لكن أيًّا كان المقطع الذي ستبدأ القراءة منه فسيكون بإمكانك فهم القصة. للأسف بعد فترة قمت بشراء روايةً, لأن غلافها أعجبني, فاكتشفت أن الكاتب استعمل الأسلوب نفسه, فمزقت ما كتبت.
******
 
أنا أكره أن يقال أنني متأثر بفلان أو بفلان وأكره الكيتش والحبكات الأكثر مبيعًا. ذلك لا يعني أن لدي مانع في أن تكون كتبي في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا ولا يعني أيضًا أنني أرفض الخضوع للتأثيرات والسرقة من الكتاب الآخرين لكنني أؤثر سرقةً وتأثرًا أفضل اخفاءً.

فأنا كاتب كبير
- ...
-
حسنًا, مشروع كاتبٍ كبير.
- ...
-
قد أصبح روائيًا ذا شهرة واسعةً يومًا ما, لن تعرف ذلك.
- ...
-
حسنًا لكنني سأحاول على الأقل, لن تستطيع أن تمنعني..
- ...
-
أوكِ, ربما يشبه نصي هذا روايةً (أو شبه رواية) جميلة قرأتها بين الأمس واليوم, لكنني سأمزقه بكل الأحوال.
- ...
-
حالما أنتهي من كتابته سأمزقه سوف ترى, فأنا أكره الكيتش والتأثيرات المفضوحة.
******

حسنًا أنا أكتب الآن لأنني خائف من كبرياء الدول والحروب...
 
ربما ليس من الحرب تحديدًا فأنا دائمًا ما أردد رغبتي باندلاع الحرب كونها تغير الظروف وتقلب الأحوال.
 
ربما أكتب لأنني خائف من الموت...
لكن لا, أنا المنادي دائمًا بلا جدوى الحياة, لن أخاف من الموت..

لخوفي من المجهول؟ أكتب لخوفي من المجهول؟ 
تمامًا, أكتب لأنني خائف من المجهول القابع خلف الضربة العسكرية, أنا الذي أرفض دعوة الى فنجان قهوة أو الى نزهة ان لم تكن مقررة منذ أيام.
...
الآن انتبهت كم هي مبتذلة عبارة "الخوف من المجهول". 
لا بد أنكم انتبهتم لشطبي اياها.
******
الآن سوف أختم كما فعلت مراتٍ عدّة في الأونة الأخيرة,بالمعلم يوسف حبشي الأشقر. لأنه ليس مستهلكًا ولا معروفًا ولا من الأفضل مبيعًا وغير معروف بين الرعاع من عامة الشعب ولا المستثقفين ولا الميديوكر:
"
سمع اسكندر ما حصل, كان مع مارت في بعبدات, عند أصدقاء لمارت. كان يسمعهم يعمّرون أحلامهم, وهم يأكلون ويشربون. وكانوا متناسين انهم ينتظرون شيئًا سيحصل. الجميع باتوا يعرفون أن شيئًا سيحصل.
 
فجأة شعروا ان ما كان سيحصل حصل, شعروا أن القتال بدأ, لم يقلها أحد, لم يجرؤ أحد على قولها, لكنهم تفرقوا فورًا كأنهم اتفقوا على أن يتفرقوا.
 
قتلى الكنيسة وقتلى البوسطة كأنهم وقعوا أمامهم على الشرفة حيث يأكلون ويشربون ويتناسون ويعمّرون أحلامهم." *

_________
*
يوسف حبشي الأشقر, الظل والصدى 

الأربعاء، 24 يوليو 2013

روث الكلاب

"ع كلية العلوم"
يهز السائق رأسه غاضبًا وينطلق بسيارته بسرعة مبتعدًا.

  أضع يديّ في جيبيّ البنطلون وأمشي ببطئي المعهود مصفّرًا رنّة سمعتها من خلوي أحد موظفي البنك اليوم, وعلى وجهي شبه ابتسامة لمقدرتي على إغاظة سائقي السرفيس - بـ" ع كلية العلوم" البعيدة جدًا عن الشارع الذي أنا فيه- الذين يصرون دائمًا على مضايقتي خلال عودتي من نوبة حراستي الليلية في البنك الواقع في ساحة ساسين إلى الغرفة التي استأجرتها في حي كلية العلوم. أرفع يدي من جيبة البنطلون وأخرج من جيبة القميص علبة الدخان وأسحب منها السيجارة الماقبل الأخيرة مشعلًا اياها بالقداحة التي أحرص على وضعها في العلبة, ثم أنفس الدخان ببطئ مواصلًا سيريَ المتمهل على الطريق الموحش بين ساسين وبشارة الخوري لأتفادى تلويث حذائي بروث الكلاب المنتشر على طول الرصيف المعتم, ذلك أن العمال الذين يسبقونني بالعودة إلى منازلهم خلال الليل "يتكّون ديجنترات" عواميد الانارة المنتشرة أيضًا على طول الطريق, من علبها المفتوحة. باستثناء عامود واحدٍ قريب من أحد الشوارع الفرعية لم ينجحوا في فكّ علبته بعد, وهو العامود الذي دائمًا ما أستريح على مقعدٍ حديديٍ موجودٍ تحته.

   أقترب بسرعة أكبر من "عامود النصر" كما يحلو لي تسميته, حيث يسمح لي الضوء الذي ينشره بتفادي روث الكلاب بسهولةٍ أكبر, لكنني أكتشف أن مقعدي قد انتزع ووضع مكانه مرآة تسهّل الرؤية على السيارات القادمة من الشارع الفرعي. أجلس على حافة الرصيف لألتقط أنفاسي وألقي بنظرة إلى انعكاسي في المرآة الجديدة فأشعر بأنني أشبه صرصورًا عملاقًا بشعري البني المشعث ولحيتي الكثة وكرشي الذي يزيد من استدارة جسدي تحت القميص المخمل الذي صادف أنه بني أيضًا, وصولًا الى حذائي البنيّ المدبّب. أشيح بوجهي عن المرآة, أطفأ السيجارة بأرض الرصيف وأقوم قاطعًا الشارع إلى الضفة الآخرى مسرعًا في مسيري غير مهتمٍ بروث الكلاب.
   لكنني سرعان ما أشعر بضوءين خافتين يظهران بالتدريج على البناء المعتم الى جانبي. أفكر بأنها لا بد أن تكون سيارة أجرة آخرى, وأستدير لأرى السيارة خارجةً من الشارع الفرعي قرب عامود النصر وفي داخلها أربعة شبان اضافة الى السائق تظهر عليهم ملامح السكر, فأستدير نصف مرتاحٍ نصف خائف وأواصل السير. تمر السيارة من أمامي الآن ويخفت ضوءها وضجيجها بسرعة فأتنفس الصعداء, وأمسح بيدي حبات العرق التي تجمعت على صدغي الأيسر.
 لكنني أفاجأ الآن بضوء خافت آخر يظهر على الجدار. فأستدير لأرى دراجة نارية كبيرة الحجم وعريضة, أشبه بالتك تك المصري الذي شاهدت تقريرًا عنه على التلفاز قبل أيام, تخرج من الشارع الفرعي نفسه الذي خرجت منه السيارة قبل قليل. مع اقترابه مني يخفف السائق من سرعته تدريجيًا. "لوين رايح؟" لكنني أظلّ محدقًا فيه عارفًا في وجهه, وجه حمزة الشاب الأبكم الذي كان معنا في نادي الكرة حين كنت صغيرًا, يحدق هو أيضًا في عيني ويتشتت انتباهه عن الدراجة التي ترتطم بحافة الرصيف وتنكسر مرأتها الجانبية بعد ارتطماها بعامودٍ مطفأ.
 يبعد حمزة عينيه عن وجهي مسرعًا وينزل عن الدراجة وهو يتمتم باسم الله.
" القزاز انكسر من وراك, ما بيجوز هالحكي, هلأ بتشوف."
أشعر بالخوف عندها وأقترب منه " ما عرفتني يا حمزة, كنت معك بنادي الفوتبول".
ينظر اليّ نظرة خاطفة, وكأنه لم يحدق فيّ لثوانٍ طويلةٍ قبل قليل, وهو يفتح صندوق الدراجة ويخرج منه شيئُا غريبًا يتهيأ لي بأنه سلاح.فأخاف أكثر وأشعر ببللٍ خفيف على سروالي وأقول بصوتٍ مرتجف
" ما تذكرتني يا زلمة؟ كنت معك, أنا وعلي وربيع وأحمد."
لكنه يهزّ رأسه منكرً للمرة الثانية معرفته بي ويبدو أكثر اصرارًا على معاقبتي, ويقوم بسحب قطعة حديدة ويبدأ بإدخالها في ثقبٍ في الآلة/ السلاح التي بين يديه.
   ملآني الخوف الآن ووقفت جامدًا أحدق فيه وهو يواصل برم القطعة الحديدية في الثقب. يظهر ضوء على وجهه وأسمع صوت موتورٍ منخفضٍ من الخلف. أنظر فأرى دراجة مماثلةً لدراجة حمزة تخرج من الشارع نفسه وهي تقترب منا بسرعةٍ كبيرة. أهرع الى الدرّاجة وأطلب من السائق التوقف, أنظر اليه من حيث أقف فأظنه حسام الذي كان معنا في النادي, تظهر على وجهي شبه ابتسامة, وأنظر الى حمزة المنهمك في تركيب سلاحه.
"شفتو؟ شفتو؟ هيدا حسام اللي كان معنا بالنادي, هلأ بسألو قدامك وبذكرك فيي"
"ما كان معنا بالنادي حدن اسمو حسام" يجاوب بلهجة ناشفة.
"مبلا مبلا, هلأ بتشوف"
وما ان بدأت بالاقتراب من الشاب الذي على الدراجة حتى بدأت ملامح الكارثة تظهر أمامي: الرجل الثلاثيني, الأقرع بلحيته البنية الكثة والتعبير البليد الذي على وجهه. يحدّق فيّ بملل.
"مش انتَ حسام اللي كنت معنا بالفوتبول؟" أسأله وأنا أعرف أنه سينفي فحسام لا يتجاوز الثانية والعشرين على الأكثر. يهز الرجل رأسه المسند على مقود الدراجة نافيًا وهو يكاد يغفو عليه,أنظر الى حمزة الذي أوشك على الانتهاء من تركيب سلاحه الذي يشبه فرد الشمع.
 "شفت ما كان معنا..."


   لكنني أركض, أركض, هاربًا منه. مطلقًا ساقيَّ للريح, كما قرأت في كتاب القراءة وأنا صغير, وأشعر بجناحين أبيضين يخرجان من فردتيّ حذائي وبسرعتي تزداد الآن.أنظر ورائي وأنا أدخل الشارع الفرعي فأرى حمزة يركض بإتجاهي محاولًا اللحاق بي. وما ان أدير وجهي الى الأمام, أكتشف أنني أدخل هذا الشارع للمرّة الأولى, عواميد الانارة مضاءةٌ بأكملها وبراميل حديدية, أكاد أصطدم بها, مشعلة للتدفئة في قيظ آب (؟). أرى أبنية مهدّمة وسيارات محترقة, قبل أن أقف خلف سيارةٍ مقلوبة ومرميةٍ في منتصف الشارع.
   أخذ نفسًا عميقًا ثم أطل برأسي فأرى حمزة راكضًا وهو يكاد ينعطف الى شارعٍ فرعيٍ آخر, لكنني أشعر بيدي تتحرك من تلقاء نفسها وترفع كرسيًا بلاستيكيًا مرميًا على الأرض قربي وترميه باتجاهه بكل ما أوتيت من قوة, كأنها تعوض عن اصبعي الوسطى التي لن يراها في الظلمة. يقع الكرسي قربه فينظر اليّ ويركض فأركض أنا أيضًا, وأستدير إلى شارعٍ على يميني وأدخل الى بناءٍ آخضر اللون وأصعد الدرج سامعًا صوت امرأةٍ ستينيةٍ تتكلم بصوتٍ مبحوح من آثر الدخان ربما. أقف بقرب شباك الدرج وأفكر بأن أطل برأسي لكنني أعيده بسرعةٍ الى الخلف. أسمع وقع أقدامٍ حمزة يقترب من الشارع, وأفكّر بأنه سيواصل ركضه لكن ها هو يدخل الى البناء ويصعد على الدرج. أسمع وقع أقدامه غريبًا فأنتبه الى أن الدرج خشبي, أسمع وقع أقدامه يقترب أكثر, أطل برأسي فينقض عليّ محاولًا ضربي بآلته لكنني أضربه على رأسه فيترنح الى الوراء. أنظر الى المكان من حولي فأنتبه لزجاجاتٍ خضراء على حافة الدرج, زجاجات بيرة ربما. أخذ احداها وأقرر أنني سأضربه بها عندما سيحاول الهجوم مجددًا. أنتظر قليلًا لكنني لا أسمع أيّ صوت.
   أطل برأسي, أرى حمزة جالسًا على ظهر زميلٍ لي من أيام الدراسة وهو يذبحه من الوريد الى الوريد بزجاجةٍ خضراء مماثلةَ للتي في يدي. أقفز على حمزة في بهو البناء وأجلس فوقه وأذبحه بالزجاجة الخضراء في يدي ممرًا اياها على عنقه من الأعلى: الدم يخرج منها ويموت.

أفتح عينيّ, فيقع نظري على دبورٍ ميّتٍ على الأرض. أنظر الى الكنبة الجلدية البيضاء حيث أضع رأسي فأرى عليها خطًّا من الدم واللعاب يصل الى الأرض. أشعر بشفتي السفلى منتفخة كاسفنجة, أعض عليها فتؤلمني. أترك الكنبة وأدخل للغرفة المجاورة. أحدّق في وجهي في المرأة فأرى بداية خط الدمّ واللعاب يبدأ من فمي.

الجمعة، 5 يوليو 2013

1995/08/08

يضع يديه على الطاولة كما تضع أمّه يديها وهي صغيرة على الطاولة الرخامية في الصورة فوق سريره.
ينظر إلى الصورة فوق سريره فينتبه أنه يجلس مثل أمّه, فيبتسم ثم يزيح يديه عن الطاولة واضعًا كوعيه على فخذيه ورأسه بين راحتيه  وينظر إلى العتمة من الشباك...
******
...يقف الشخص أمام شبّاكه ناظرًا إلى المدينة المعتمة تمامًا بإستثناء ضوء بعيد. يولع سيجارة ويتذكر يوم رمى شقيقه ألبوم الصور من النافذة لأنه ألحّ عليه في طلبه.يحاول أن يتذكر كيف كان شكل غرفته, بوسترات لاعبي كرة القدم تملأ الحيطان, كتب غسان كنفاني وتوفيق يوسف عواد, التي ينظر إليها اليوم بدونية دون أن يعرف لماذا, فوق سريره.
"وماذا أيضًا؟" يسأل نفسه, لكن لا صورًا أو ذكرياتٍ تصعد إلى رأسه فيملأه الحزن فجأة ويشعر بالبكاء يطلع إلى عينيه (يرى ثقبًا في أعلى القلب, تخرج منه الدموع, كنافورة ماء, وترتفع عابرةً بقصبته الهوائية فالبلعوم, خارجةً من العينين) فيتحسسهما وحين يتأكد من جفافهما يبتسم, ثم حين ينتبه إلى أنّه ابتسم عندما تأكّد من أنّه لا يبكي ضحك. يتذكر آخر مرّة بكى فيها, كان ذلك, منذ عامين تقريبًا بل عام, لم يعد يتذكر. بل الأصح أنّ الأزمنة تضاربت في رأسه. يذكر يومها أنه كان في الغرفة وشعر بالبكاء يطلع إلى عينيه وحين تحسّسهما وأحسّ بالرطوبة انهالت الدموع منهما, ثم تكوّر على السرير كجنين وبكى لخمس دقائق كطفلٍ صغير وبعدها مسح عينيه بكنزته وقام. 
يحاول أن يتذكر ما السبب الذي دفعه للبكاء يومها فتطلع صورتها (يرى صورتها مطبوعةً أمامه على الحائط وعلى زجاج الشباك وهي في المقهى مبتسمة قبل أن تخفض رأسها لتشرب من فنجان القهوة أمامها وهي تسترق النظر إليه) ولقاءهما الأسبوع الماضي حين عبّرت له عن حبّه لها ثم واصلت الحديث كأن شيئًا لم يكن. ثم يفكّر بأن سلواها ليست عن الأحلام الكبيرة والقضايا والآلهة فقط بل وعنه وعن الناس, كل الناس وعن "الشاب الذي تحبه" حتى (قال في رأسه الذي تحبه وصنع بأصابعه مزدوجين وحرّكهما).
******
"سأكتب عني وعنها وعن هذه الغرفة, يقول. حسنًا, سأكون جالسًا في الليل أمام طاولتي هذه وسيكون عليها راديو تبث منه أغنية لأم كلثوم وكتب كثيرة, وأوراق وشمعة مشتعلة تنزّ على احدى الاوراق فيختلط الحبر بالشمع. نعم سيكون هناك شمعة وستتصل بي على تليفون جاري سليم وسنتفق على موعدٍ وألتقيها في الويمبي. نعم سيكون هناك شمعة وتليفون الجار والويمبي لأضع الحكاية في سياقٍ زمنيٍ قديم, يبرّر لنفسه.سألتقيها في الويمبي, يؤكد مرّة أخرى, وستخبرني أنني استعملت صورة أمي لاسمها في الكتاب الذي كتبته عن تاريخ المدينة لأنني أحبّها. ثم ستسألني بكل براءتها عن السبب الذي من أجله وضعت اسمها على صورة أمي وسأقول لها:"أنتِ قلتِ السبب الآن" وستكرّر سؤالها مراتٍ ثلاث وسأكرّر الجواب مرّاتٍ ثلاثة أيضًا قبل أن تغير الموضوع وتضحك وأضحك كأنّ شيئًا لم يكن..."
******
يشعر الشخص بالغباء لأنه عاجز عن اكمال الحكاية لسبب يجهله وبأنه عاجزٌ عن الكتابة/ بأن الكتابة عاجزة فيترك الورقة ثم يأخذ كتابًا عن الطاولة ويكمل بالقراءة من حيث توقف لكنه يشعر بأنه لا يفهم الكلمات. يقوم عن الكرسي ويستلقي على سريره ويعيد قراءة الصفحة من أولها لكنه لم يعد يرى الأحرف وأحس بالكلمات تسيل من بين يديه ( يرى نفسه واقفًا على قمةٍ عالية, تجاورها الغيوم ومن حوله أكوام من الكلمات الاسفنجية, كلما أمسك كمشةً من الكلمات سالت من بين يديه وذابت) وبعدها بالدموع. تكوم على نفسه كجنين وبدأ بالبكاء كطفل وبعد خمس دقائق توقف, مسح الدموع بكنزته وقام. مزّق ما كتبه وأستلقى على الأرض مقابل السرير محدقًا في صورة أمه.

السبت، 18 مايو 2013

عن الشخص في تجيّفه


في أيام التجيّف الكثيرة, الطويلة المتواصلة. يجلس وحيدًا ويعيد سماع أغاني أم كلثوم, منذ أن مات القصبجي عشقًا في رق الحبيب حتى النهاية مع سيد مكاوي. مفكّرًا بكم كان اسكندر خفيفًا حين صدّق في البداية أن الكتابة هي الطريق إلى الآلوهة, وبأن يوسف الذي استحوذ عليه -وما زال- كان أشدّ خفةً حين قدّس الكتابة مستبدلًا بها الصلاة فسقط بعد موته بقليل في غياهب النسيان.

في أيام تجيّفه الكثيرة, الطويلة المتواصلة, يجلس وحيدًا معيدًا سماع أغاني أم كلثوم, مقلّبًا الصور القديمة وصفحات الروايات الكبيرة, ليشعر باللانهاية والامتداد وبأن شيئًا/ شخصًا, مهما كان/ أيًا كان قابلٌ لخلودٍ ما ولو مؤقت.


يخفض صوت المسجل قليلًا, 
ويفكّر أنه يحن إلى التسعينات: إلى المسجل والبطاريات الكبيرة التي تصدأ في الجارور سريعًا وللمشي على البحر في السادسة صباحًا أيام الجمعة -يوم عطلته مع والده. ثم يسأل نفسه ان كان الصدء هو سبب ظهور صورة البحر بمياهه المالحة في رأسه بعد صورة البطاريات, أم أن صورة البحر والبطاريات انبعثتا من صوت فيروز الذي كان ينبعث من السيارة كل صباح كما كان ينبعث مع طلوع الشمس من باصٍ متوقف لبيع القهوة قرب البحر. ينتبه إلى أنه كان يكلّم نفسه عن الحنين إلى التسعينات قبل أن يختلط الأخير, بالتساؤل عن سر تداعيات الصور. فيطرد الأخيرة ويتذكر صوت فيروز في السيارة صباحًا والشبابيك الخشبية للقدس, التي لا تختلف عن الشبابيك الخشبية في بيروت ويحن إلى القرية ورائحة الشاي الدائم الغليان وعرق الجدّة بعد يوم أنهكها فيه الأطفال, ويحن إلى رائحة التراب والدم المتخثر والطبقة الخشنة التي تعلو الركب بعد تشققها أثناء لعب الكرة, ويحن إلى لعب الكرة و تمزقها ولجمع الأطفال للقطع المعدنية لشراء بديلٍ عنها ولسخرية الكبار من عبثية فعل الأولاد.

يشعر بغياب الصوت وعدم احساسه به, فيرفع الصوت قليلًا.
ثم يشتم بصوتٍ منخفضٍ فتاةً شقراءً صاخبةً عرفها في الجامعة, عابت عليه يومًا تجيفه وعاب هو عليها اندفاعها الأخرق في الحياة. يطرد صورتها من رأسه وينظر إلى خيط من ضوء المغيب يخترق يده آتٍ على الغرفة مارًا على الأرض والحائط خلفه.
قبل أن يشعر بالضيقٍ ويفكّر أنه يخون تجيّفه بحديثه مع نفسه وانخراطه بالذكريات, ذلك أن التجيّف كان خياره منذ البداية,حيث سمح له أن يتغلغل في مسامه بصمتٍ وبطئ.
 لكن الصور اليوم تنهمر عليه بكثافة لم يعهدها قبلًا مربكةً اياه. فيفكّر بالرأي الأخرق القديم نفسه, بأن الخلاص يكمن في إيجاد وسائل إلهاء كما قالت صديقته يومًا, وتذكر أن رجلًا بلا امرأة, جثة تبحث عن قبر, وبأن فتاةً/ امرأةً قد تنفخ في الجيفة روحًا:
"الفتاة ذات الشعر الأسود بعينيها الكبيرتين, الجميلتين. بسلواها عن الأحلام الكبيرة والقضايا والآلهة والكتابة والخلود, وبراءة الاكتشافات الأولى المتجدّدة في عينيها كل لحظة , وفرحها بالأشياء الصغيرة وفرحِ الأخرين."
يبتسم حين يفكّر فيها, ويتساؤل عن جدوى التفكير في الخلود ان كان يحبها؟ وعن ردّة فعلها ان علمت أنه يحبها؟ هل يحبّها أصلًا؟

يرفع بحركةٍ آليةٍ صوت المسجل أكثر إذ أنّ الصوت يكاد لا يسمع,
فتعلو منه أغنية لم يسمعها قبلًا لأم كلثوم: " وأخاف أقول الحب أهو بان أحسن يا روحي تجافيني" ويشعر عندها بوخزة خفيفةٍ في صدره ويبتسم ابتسامة حقيقيةً وصادقةً هذه المرّة, حقيقيةً وصادقة بما يكفي لتخرج ما في داخله من حبّ, هل حقًا يخاف أن تجافيه الفتاة إن صارحها بما في قلبه؟
 
يطرد السؤال من رأسه فهو يعلم أن هذه ليست إلّا وسائل إغواء لينسى, إلهاء - كما قالت صديقته- لتمرير الوقت متجاهلين وطئة الزمن ومتناسين النهاية المكتوبة.
طيّب ليكن الهاءً واعيًا, يقول قبل أن يبتسم ساخرًا من نفسه. كيف لإلهاءٍ أن يبقيه واعيًا؟

يرفع صوت المسجل إلى أقصاه لكن لا صوتًا ينبعث منه,

 ينتظر قليلًا ثم ييأس فيقلب الشريط. ينبعث الصوت قويًا هذه المرّة, أم كلثوم تملأ بكثافتها المعهودة فضاء الغرفة, دون مقدّمة موسيقية:
"أغدًا ألقاك يا خوف فؤادي من غدي, يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعِدِ".
يهمس هو مبتسمًا بصوتٍ خافتٍ لا يسمع
:" “أيّها النوم، يا سيّد العطايا أنت، لماذا تطلّ و تذهب كالقمر؟ أيّها النوم لماذا لست كالحجر، كالسنديانة ، دائماً قاعداً لا تذهب و لا تختبىء؟ وحدك الانقاذ أنت، لا الكتابة و لا الحب."

الاثنين، 6 مايو 2013

وكأن شيئًا لم يكن...

  صورة الشهيد -الذي أحمل اسمه- على المدخل الشمالي للقرية حيث توجد بضعة أشجار حورٍ وتلال لم تطئها قدمٌ منذ أن مرّ بها المسيح في طريقه لقانا الجليل, أكلها الصدئ والمطر العتيق شيئًا فشيئًا بشكل عامودي من الجبهة حتى آخر الفم, لم يبقى منها سوى شبه عينين.

منذ فترة بعيدة نزعت هذه الصورة الحديدية أو ربما حولها صاروخٌ اسرائيلي إلى سراب فاستبدلت بصورة من النيون مستطيلة في ساحة القرية يتوسطها الشهيد الذي أحمل اسمه, عن يمينه مفجّر مقر الحاكم العسكري في صور:"الاستشهادي الأول في الجنوب" وعن يساره من قيل أنه مفجّر مقر المارينز في بيروت.

...عندما مررت بالصورة الأولى وأنا صغير انتابني احساس يملأ الروح بالحزن وبوطئة الزمن والنسيان. عندما مررت البارحة أمام الصورة الجديدة انتابني الحنين الى الصورة القديمة وتفاعلاتها مع عناصر الطبيعة والحزن لتجاهل بقية الشهداء.
****
يتساءل ميلان كونديرا في "كائن لا تحتمل خفّته" عن أثر حرب في القرن الرابع عشر بين مملكتين أفريقيتين قتل خلالها 30000 زنجي على مجرى التاريخ؟

يقول محمود درويش في "جدارية":" وكأن شيئًا لم يكن/ جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العبثي/ والتاريخ
يسخر من ضحاياه/ ومن أبطاله/ يلقي عليهم نظرة ويمر."

يتحدث يوسف حبشي الأشقر عن "ضد البطل/ بطل" ثلاثيته الروائية اسكندر فيقول:
"ربما, ربما!... ما لم يقله أبوه يعرفه هو, عزلته بالأصل نظرة إلى الحياة كنظام موقت وعمره لم يعن له الموقت شيئًا (1). لكن الكتابة, الكتابة كانت بالنسبة إليه الطريقة الوحيدة للشعور بالقوة, حلم القوة, السطوة, القدرة, القدرة على أن يكون الله.(2)"
يقول اسكندر: " أنا الانسان - الاله هكذا صوّرت ذاتي بعد أن قتلت الاله- الاله.شئت دائمًا أن أكون بائع سعادة غير كاذب أي ليس كالإله الذي قتلته لأنه كان بائع سعادةٍ كاذبًا أو كثير الوعود أو كثير الكلام..فزينت صورتي من الداخل والخارج بخصال الله التي لطالما رجوتها, ثم عرفت أني عاجزٌ أن أكون بمستوى الصورة ومستواها هو حقيقتي الوحيدة ونبع تصرفي الوحيد.
كنت كلما واجهت عجزي قلت ان الخلاص ليس أبديًا وأنه لكل وقت اله وكنت أقبل بالجواب دون رضاء, حتّى انتهيت الى التخلي عن دوري وتبيّن لي أني أتخلى عن ذاتي وبهذه الحالة ما صار معناي؟ ما معنى ذلك؟ معناه أن لا معنى لي.(3)"

ربما إذن الاستسلام لـ"كأن شيئًا لم يكن..."


***************************************

أنا لا أحبُّ عبد الناصر.

أنا لا أحبّ عبد الناصر, هناك أسباب كثيرة لكي لا أحبه: كونه عسكريًا, وكونه تألّه من شعبه, وكونه ديكتاتورًا ولو بنوايا طيبة.. أو أن السبب هو خليط من هذه العناصر الثلاثة: العسكري الذي وصل بالانقلاب الى سدّة الحكم وأضحى مخلّصًا للأمة وديكتاتورًا يحبّه الملايين من المحيط الى الخليج مسبّبًا هو وغيره من العسكر الذين حكموا من تونس الى سوريا الوضع الذي وصلنا اليه اليوم نتيجة القمع والكلام الكثير والجيوش الورقية وخيبات الأمل..

لا أحب عبد الناصر لأنه كأي ديكتاتور آخر مات ومات كل شيء معه, أحلام جيل بأسره, أحلام شعبٍ بأسره, أحلام أمّة بأسرها..
.....
في فيلم الزمن الباقي لإيليا سليمان يصوّر ابن الناصرة أثر وفاة عبد الناصر على أبناء مدينته... هل هناك احساس بالخذلان والوحدة وانتفاء الأمل أكثر من هذا؟



.....
يقول أبي أنه يذكر حين كانوا صغارًا في الكويت كيف كان يجلس الكبار في المساء للاستماع للراديو, وكيف أنه في المساء الذي أعلن فيه راديو القاهرة وفاة القائد جمال عبد الناصر, هرب عمه من المنزل بعد شجار طويل مع الاخوة والزوجة والاولاد للالتحاق بفدائيي الـ م.ت.ف
.....
يقول صديقي "الجديد" الذي تزيد كثافة شعره من كبر حجم رأسه في احدى جلسات التداعيات المتزايدة بيننا في الفترة الأخيرة, أن جدّته أخبرته أن في كل قريةٍ من قرى البلاد أقيمت جنازة لجمال عبد الناصر بنعشٍ واكاليل ورود ومسيراتٍ وصلاة ميتٍ حتّى, وأخبرته أيضًا بأنها سمت والده جمال على اسمه.


*****

(1): الظل والصدى, يوسف حبشي الأشقر (ص 468)
(2): لا تنبت جذور في السماء, يوسف حبشي الأشقر (ص 234)
(3): الظل والصدى, يوسف حبشي الأشقر (ص42)