الاثنين، 27 يناير 2014

جرح غير ملتئم


كانت تمشي بهدوء على الطريق المستقيم الطويل الممتد من مدخل الجامعة، حيث يقف، إلى مدخل الكلية حيث يدرسان. شمس ما قبل الغروب البرتقالية تضفي على خصلات الشعر الأشقر ألقًا غريبًا مُسكرًا.
تأكد من أن يديه تدفئان جيبيه جيداً، وانطلق في إثرها محاذراً أن تشعر به خلفها. وحين أصبح وراءها تماماً وامتلأت رئتيه بالرائحة الخفيفة لعطرها، مدّ يده برشاقة ملامساً يدها الصغيرة, فالتفتت إليه. إذ ذاك سقط الضوء البرتقالي على عينيها العسليّتين فأغمضتهما قليلاً وابتسمت، فرأى الجرح غير الملتئم أسفل العين اليمنى.
سألته: «وينك؟ إلك أكتر من شهر مختفي؟». وعندما لم تتلق جوابًا فتحت عينيها، وانتبهت إلى أنه يحدّق في الجرح. مررت أصابعها عليه وقالت إن السكين أفلت من أختها وأصابها: «كانت ريم حاملة السكينة بالعالي وعم تلعب فيها وأنا حاملة التفاحات، وكنا كتير مبسوطين، ما بذكر ليه. بعدين زحطت السكينة من إيدها وإجت تحت عيني..».
ابتسم مذهولا, دون كثيرٍ من اقتناع، وتمنى لها الشفاء. فكررت سؤالها له عن سرّ غيابه الطويل:
- «
إيه، ما خبرتني. وين مختفي كل هالوقت؟».
- «
كنت بالضيعة عم عدّ النجوم».
لم تنتبه لبريق الدموع في عينيه. كانا قد استأنفا سيرهما جنبًا إلى جنب، وكانت نظراتها مثبتة على صف أشجار البندق إلى يسارها. ضحكت وسألته:
- «
طيب وبالنهار شو كنت تعمل؟».
- «
كنت نام وأحلم أنو عم عدّ النجوم».
ثم أخذ يضحك بسخرية ليبدّد الدموع من عينيه. نظرت ناحيته وضحكت معه بفرحٍ، دون أن تنتبه لشيء. قالت له إن ضحكته جميلة، تجعل من يسمعها يضحك.
عندما أنهت كلامها وكانت تنظر ناحيته، التفت إلى جسمها الذي ازداد نحولاً وسألها إن كانت لا تزال تكتفي بالقهوة والدخان عوضًا عن الطعام، فهزّت رأسها إيجاباً.
- «
ومش عم تنامي منيح كمان. شوفي عيونك كيف صاروا حمر! هلأ بس نوصل ع الجامعة بشتريلك سندويش، بكرا ببطل حدن يتزوجك إذا ضليتي هيك، بلا أكل».
نظرت إليه ضاحكة: «أنا أصلاً ما بدي إتزوج». وانطلقت راكضة، تقفز من مربعٍ إلى مربع محاذرةً أن تدعس برجليها الصغيرتين على الخطوط المكوّنة لمربّعات إسمنت الأرضية. لحق بها بالطريقة نفسها، ثم قال وهو يواصل الضحك:
- «
طيب ببطل حدن يحبّك».
فأجابته وهي تبطئ من حركتها: «أنا ما بدي لا حب ولا إنحب».
- «
يعني ما جرب خليكِ تحبيني؟»، قال لها وقد عادا للسير ببطء وتوقفا عن الركض. فاستدارت نحوه وقالت بسرعة:
«
ما بعرف. إنتَ وشطارتك، جرّب». ثم ضحكت وضحك مفكّرًا وهو ينظر لنتف الغيوم البرتقالية، بأنها لم تدرك أنه إنما اعترف بالحب.
*****
نشرت هذه القصة في ملحق شباب السفير في 22/1/2014

الخميس، 23 يناير 2014

عودة المطر, الإطار.. (ق.ق.ج 2x)

عودة المطر.

تنهمر نقاط الماء ببطء على طرف الشارع, ويركض الأطفال في كلّ صوب مؤكدين عودة المطر. يسمع ربيع, غير مصدّقٍ صراخ الأطفال. فيترك ركوة قهوته الصباحية على النار ويهرع إلى وسط الشارع, ثم يسير إلى آخره بصمت. يمدّ يده إلى حيث يسقط المطر فتبتل. يرفع رأسه إلى الأعلى فيرى خيوطًا برتقاليةً تنبعث من بين الغيوم, ويفكّر بأنّ امرأةً ما تنظف حبال الغسيل من خراء الحمام. يركض تحت الماء, منعطفًا يسارًا إلى الشارع الآخر. حيث يحسّ بالمطر ينهمر ببطء على كتفيه.
"عاد المطر", يقول قبل أن يتمدد وسط الشارع فاتحًا فمه للسماء.
******

الإطار.


بحثنا طويلًا عن إطار يليق بصورتها. وحين وجدناه ووضعنا في داخله الصورة ألهانا ضجيج في الشارع عنه, فنسيناه على طاولة السفرة طويلًا.
كنا نجتمع على الطاولة عند الغداء ونمر بقربها عشرات المرّات كلّ يوم, بينما كان الغبار يبتلع الصورة ببطءٍ, ببطء.
وفي يوم ظهرت في المنزل طفلة لا نعرفها. اقتربت من الصورة, وببطء أيضًا أخذت تمسحها. وعندما شارفت على الإنتهاء, سقط من يدها الإطار وتناثر الزجاج على الأرض قطعًا صغيرة, وحين حاولت الإمساك به من جديد جرحت يدها بقطعة من الزجاج وتساقطت نقاط قليلة من الدم فوق العينين. جرّبت الصغيرة أن تمسح الدماء لكننا هرعنا إلى الطاولة وأبعدناها.
لملمنا الزجاج المتناثر, علّقنا الصورة في إطار بلا زجاج وسط الجدار ووقفنا نحدق به مسترقين النظر إلى الطفلة خلفنا تؤشّر إلى الصورة. لم نفهم ما تريد, لكننا أحسسنا بأن الصورة لا تلائم جو المكان.
أتيت بكرسي, أنزلت الصورة, رميت الإطار المجعلك في سلّة المهملات, والصورة وضعتها في خزانة زجاجية خلف فناجين قهوة مغبّرة وقرآن لم يفتح منذ زمنٍ بعيد. وقلت للباقين أنني سأشتري إطارًا جديدًا يليق بعينيها. مرّت الأيام نسوا ونسيت, والصورة بقيت في الخزانة تمسحها بنت صغيرة كل يوم حتى لا يأكلها الغبار.

الاثنين، 13 يناير 2014

ثقبٌ يبتلع الحزن


كنّا على طاولة الغداء، نأكل ونتحدث غير مبالين بالصمت المتواطئ الذي يملأ الأمكنة. لم تبكِ السماء دمًا ولم يلمع نجمٌ في الشرق أو ينخسف القمر، كان هناك فقط صمت مريب، في الجامعة، في الشوارع، في سيارة الأجرة وفي المصعد حتى. فجأةً سُمع دويٌ عظيم، وكان خراباً.
"
كأنّو علّق الشريط"، كذلك هي تلك الرغبة المرضية التي تصيبك بتكرار لحظةِ الانفجار، بتكرار لحظات النشوة الأبدية تلك، التي تحملك لهدوء ما قبل الخليقة والخطيئة، ما قبل آدم وقايين والجريمة الأولى والغراب. لا يقطعها سوى صوت واحد من نافذةٍ واحدة يتكرّر بمونوتونيةٍ غريبة: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عليكم، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عليكم، الله أكبر، الله أكبر.."، معلنةً بداية الانهيار وتدافع الناس إلى موقع الانفجار. فتعرف عندها أن هوسك بالتكرار هذا ليس إلّا لمعرفتك بأنّ ما سيلي ثواني الأبدية هذهِ ليس كما قبلها، متنشّقًا رائحة دمٍ تزكم الأنوف بدأت بالتسلّل إلى البيوت.
ثم تتنهد قائلًا: "نجوت". حتى قبل أن تتذكر من تحب ـ والديك، إخوتك، الفتاة التي تحب، أصدقاؤك وكل من تعرف أنهم يمرون في هذا الشارع ـ كأنّ القيامة الآن، أو كأنّنا في قيامة مؤقتةٍ قصيرة، بروفة لليوم الذي يفرّ فيه المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه، اليوم الذي لكل امرء فيه موتٌ يلهيه.
وبعد انقضاء ثواني الأبوكاليبس هذه، تبدأ الهواتف بالرنين مختلطةً بأصوات البكاء وسيارات الإسعاف ومذيعي الأخبار.
وحين يُسحب الموتى من الشوارع، ويُسيطر فراغٌ جنائزي عليها. تحسّ بحجرٍ رمي من السماء في فمك، بين المعدة والرئتين. لا أنتَ قادرٌ على بصقه ولا هو يعرف كيف يجد سبيله إلى الأمعاء خارج المعِدة. قابعًا في منطقةٍ وسطى، محيلًا كل محاولةٍ لإكمال الطعام، كما للتنفس، أمراً صعباً، بل شبه مستحيل. وتوشك أن تغيب عن الوعي، قبل أن تتذكر حكايةً للصغار قرأتها في كبرك عن صبيٍ بثقبٍ كبير في جسده يبتلع به الحزن. فتقرر أن القابع في جسدك ثقبٌ سيأخذ بالتوسّع إن لم تملأه، وتبدأ بالتنفس بكل ما أوتيت من قدرة، وبالأكل بكل ما أوتيت من فجع، لتشعر بالطعام ينحشر في معدتك ويجرح زلعومك، لتشعر بوجودك، ولا تشعر. كلما أكلت أكثر، يتسع الثقب أكثر ويضمحل وجودك أكثر.
تفتح هاتفك المحمول وتحاول أن تتصل بأي كان، لكن الخطوط مقطوعة. فتبدأ من شاشة الهاتف نفسه بمراقبة الأنبياء الرقميين يتقيؤون كلماتهم في الموقع الأزرق. متحسّسًا غباءهم الذي ينمو باضطراد مع ازدياد المعجبين بكلماتهم. قبل أن تعذرهم، مؤكّدًا لنفسك أن حاجتهم للأمان والتأكّد من وجودهم هي الدافع لكل هذا القيء. كما هي حاجتهم للإمساك بالفراغ الذي يطفو على حياتهم فجأة مبتلعاً كل شيء، الحاجة نفسها التي تكتب من أجلها هذا النص. تفكّر بذلك بينما تتحسّس الثقب الذي بدأ بابتلاع وجهك. يتقيّؤون كلماتهم ليشعروا بأنهم ما زالوا في اللعبة وبأنّ أحدًا ما بقربهم، ولو كان قرباً مزيّفاً. تحس باختفاء الهاتف من يدك اليمنى، تنظر إليها فلا تجدها. تتحسس بيدك اليسرى ما تبقى من وجهك، وتهرع إلى المرآة لتلقي نظرةً أخيرة عليه وأنت وتفكّر بأننا من شدّة تشابهنا، في الخوف والموت، صرنا عاجزين عن مواساة بعضنا. تصل للمرآة فتبصر شيئاً ما يضمحل بسرعة عاجزًا عن تمييزه، تستند بيدك اليسرى محاولًا إمعان النظر في المرآة أكثر، مفكراً بأننا عبءٌ على المؤرخ، عبءٌ على الرسام، كما يقول الشاعر، وبأنّنا مستعدون للتخلي عن قليل الحياة هذا لننجو من كل هذا الموت.
*****
نشر هذا النص في ملحق شباب السفير في 7/1/2014

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

الغرفة الملوّنة في المدينة الرمادية

المدينة ضبابيةٌ, رمادية, تضحي كذلك بعد كل هطولٍ للمطر.
سائق سيارة الأجرة يضحك. مطلقًا نكاتًا لا يتفاعل معها أحد. السيارة امتلأت: بائس يجلس إلى جانبه في المقعد الأمامي وثلاث آنسات على المقعد الخلفي.
"...كل عامٍ تتكدس الخسارات الصغيرة, خسارةً تلو خسارة, كالبركة التي تتشكل من نقاط الماء المتساقطة على بلاط الغرفة."
أربعة صبية يلعبون كرة القدم على حافة الشارع, في خمسة أمتارٍ بأربعة. قربهم يمرّ شابٌ ملتحٍ وصبيةٌ محجبة يضحكان بخجلٍ محبّب.
"...يتشكّل الإنكسار ببطء, هزائم صغيرة لا نشعر بها: ضحكةٌ خبيثةٌ من "صديق", صوت رصاص يرتفع ثم يختفي دون أن تعرف سببه, رفضٌ "مهذبٌ" لدعوة إلى فنجان قهوة, قراءةٌ في دفتر الوالد إلى العم الشهيد: "كأنك لم تزل هاهنا/ أو كأنّك لم تزل بيننا/ كأنّ الليالي التي أرّقتني, أرّقتنا سويًا..."
من المسجل العتيق في السيارة تنبعث أناشيدٌ ثمانينيةٌ قديمة,.رديئة التسجيل, مجعلكة الكلمات. تنويعات متعدّدة للحنٍ وحيدٍ حزين.
"...هزائم صغيرةٌ لا تشعر بها: تلطُّخ حذاءك القماشي بالوحل, تجاهل الأستاذ لك في الصف, الوصول إلى المنزل بعد يوم متعب واكتشاف أن والدتك لم تترك حصّة من الطعام لك, تحاشي من تحب, وتجهل حبك لها, لقاءك وعكسها وجهة سيرها عند رؤيتك."
أشعة ما قبل الغروب تنبعث من بين نتف الغيوم برتقاليةً صفراء على أبنية الإسمنت الرمادية, وعلى السيارات المتهالكة التي تتالى ببطء شديدٍ على حاجز الدرك.
"...الإنكسار كما كل عام, يترافق مع إنهيار فريق كرة القدم الذي تشجّعه. الصفر تلو الصفر والهزيمة تلو الهزيمة. ثم قبل الموت بقليل محاولةٌ آخيرةٌ للنهوض تبقيك على الحافة دون أن تنهضك, لتعيد المحاولة الفاشلة من جديد في العام الذي يليه."
يقترب صبيٌ يبيع المحارم من السيارة, سرعان ما يصرفه السائق بحركةٍ نزقةٍ من يده. ينصرف الصبي وهو يقفز في برك المياه الصغيرة التي خلّفتها شتوة البارحة.
"...الإنكسار أن تتضمحل كبركة ماءٍ صغيرة تتشرّبها الأرض ببطء, ببطء بينما يتكاثر العابرون حولها دونما اهتمام."
المدينة لا تكون حزينةً عند سقوط المطر بل في اليوم الذي يلي سقوطه, كأنها طالعةٌ من حربٍ طويلة.
"...الإنكسار هو أن تسترجع إنكساراتك السابقة كلها, بتفاصيلها وهزائمها لتكشف أن سوءًا كبيرًا لم يحصل معك, وأن موتًا لم يصيبك. لكنك كأي برجوازيٍ صغير, مستغرق في ذاتك حتى العبادة."
الشرطي يقف قرب عربة القهوة يرشف فنجانه ببطء. سائقو السيارات يطلقون "زماميرهم" غاضبين, بينما يواصل سائق سيارة الأجرة محاولة إضحاك الصبية الباقية في المقعد الخلفي. ينزل الشاب من المقعد الأمامي ويعبر بجانب السيارات المتوقفة على طول الطريق مفكرًا بغرفته الملونة حيث سيستسلم للنوم: " أيّها النوم، يا سيّد العطايا أنت، لماذا تطلّ و تذهب كالقمر؟ أيّها النوم لماذا لست كالحجر، كالسنديانة ، دائماً قاعداً لا تذهب و لا تختبىء؟ وحدك الانقاذ أنت، لا الكتابة و لا الحب.*"

________
* السطرين الأخيرين "أيها النوم..." مقتبسين من كتاب المظلة والملك وهاجس الموت, يوسف حبشي الأشقر, 1980.

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

أربعة خربشات ناقصة, غير مترابطة.

(1)
هناك, في الدائرة المتمدّدة دومًا قرب البحر الميت, أمسك بيد الفتاة ذات الشعر الأسود والعينين العسليتين. ابتسم, وأسرّ لها بكلام لم يفهمه, فضحكت. بعدها أفلتته فركض ثم قفز في الماء, وبدلًا من أن يطفو على سطحه بدأ بالغرق. قاوم قليلًا ثم التفت بصمتٍ إلى الفتاة. كانت تصرخ وتركض بإتجاه البحر. أومئ لها برأسه أن لا تقترب واستسلم للماء الذي يسحبه للأسفل, شاعرًا بطبقة سميكةٍ من الملح تنمو على جلده. متذكّرًا الرجل الذي "بلّعه" رجال الدرك كيلوين من الملح حتى يعترف.
*******
(2)
طلبوا من ركاب الحافلة النزول بإستثناء السائق, الذي تُرِك بعد التأكد من هويته. وضعوا جميعًا في شاحنةٍ كبيرة نقلتهم في رحلةٍ طويلة إلى مصنعٍ مهجور. ومن بعدها حمّلوا في القطار إلى أحد معسكرات الاعتقال.
جرّب ألكسندر, اخبارهم بأنه ليس يهوديًا وبأنه اضطر لركوب الحافلة لتعطل سيارته, لكنهم لم يصدقوه. قال أنه عالم في المرصد الفلكي, لكنهم لم يسمعوه. فتّش في جيوبه, وفي الشنطة التي بقيت معه حتى صعوده إلى القطار طويلًا عن أوراقه, عن هويته أو بطاقة العمل, عن أي شيء.لكنه كان قد نسيها كلها في السيارة. رغم توصيات زوجته المتكرّرة بعدم نسيان أوراقه الثبوتية في أوضاعٍ كهذه.
في معسكر الإعتقال رُمي في مهجع يضم أشخاصًا من جنسيات مختلفة, عاجزين عن التفاهم فيما بينهم. عند العودة من العمل مساءً, كان يصاب بالآرق من اللغات الكثيرة التي يتراشق بها المعتقلين ومن الأسرة الخشبية المؤلمة والمؤلفة من طابقين. الرجل الذي يشاركه السرير, أحس بمعاناته وترك التخت السفلي له, كان أكثر شبابًا وقوّةً منه. بينما كان هو في الخمسين من العمر وبدا في السبعين بعد عدّة أسابيع في السجن. فكّر أن الرجل يشفق عليه, فرفض هذه الشفقة مصرًّا على النوم في السرير العلوي. أصرّ على هذه التقسيمة دون أن ينجح في التفاهم معه باللغة. كانا يتواصلان بالإشارة فقط. ومع الوقت تعوّدا على بعضهما البعض. علم لاحقًا أن جاره "سيمون" هذا مثله, لم يعلم لما أوتي بهِ إلى هنا. وبأن الكلمات التي كان "يترشق" بها حين يعجزان عن التفاهم بالإشارة, كانت بالعربية. أخبره بذلك عجوز روسي, عاش فترة قصيرة في حلب, دون أن ينجح في ترجمة ما يقوله. نجح فقط في معرفة أنه سوري وبأن اسمه سمعان. جرّب أن ينطق الإسم أكثر من مرّة لكن حرف العين بقيَ عصيًا عليه, سمأن, كان يقول.
هناك في عتمة الزنزانة, وفي الليالي الطويلة التي انتهت احتراقًا. حمل عنه سمعان السوري صليبه, كما حمل سمعان القيرواني الصليب عن المسيح في درب الجلجلة. كان يعرف أن ترك الروسي الكهل وحده يعني أخذه للمحرقة. فكان يوقظه عند الفجر ليلحق بالعد الصباحي دون التعرض للضرب, يبذل جهدًا مضاعفًا مع غيره من السجناء كي لا يظهر تقصيره في العمل بسبب بطئه وفي المساء كان يعطيه شيئًا من حصته في الطعام دون مقابل.
عندما يحل الليل ويغطّي الصمت كل شيء كان ألكسندر يسمع من سرير جاره, غناءً خافتًا بهذه اللغة التي لا يفهمها والتي تقطر كلماتها موسيقى وحزنًا.
لن يعيش الروسي, الكهل الخمسيني و العالم في المرصد الفلكي, ليرى أحفادًا له في زمنٍ لاحق ينطقون بهذه اللغة الغريبة التي يرشح منها الغناء. ولن يدري أن شابًا من الجليل سيلاحق إحداهن طويلًا بأبياتٍ من تلك التي يغنيها جاره, لقيس وجميل وعنترة وباقي عشاق العرب, حتى يوقعها في غرامه.  
أغرقت رأسها في صدره. أخذ يمرر أصابعه في خصلات شعرها الذهبية, منتظرًا بقية الحكاية. أمسك بيدها. مرّر أصابعه على خطوط راحتها ثم صعد ببطئ إلى ذراعها وأحس بالخطوط النافرة مكان الجرح العتيق.

- "وهيدي شو قصتها؟", سألها وعلى شفتيه ابتسامة غريبة.
- "هيدي ما شي, ما الها قصة", وأخذت تبحث عن شفتيه.
أشاح بوجهه عنها, فأمسكت رأسه بيديها وأعادته إليها, لامست شفتيها شفتيه, لكنه لم يتجاوب.
-"قلتلَّك: وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح."
- "بس إنتِ منِّك شهرزاد. شهرزاد شعرها أسود, إنتِ شعرك أشقر.", قالها بالكثير من الطفولية.
نظرت إليه بغضبٍ مصطنع.
- "ايه أنا شفتها بالرسمات القديمة."
رفعت اصبعها ومررته على أنفه:"بينوكيو, بينوكيو", قالت له بلهجة مسرحية وضحكت بحزن.
أمسك بيدها وقبّل رؤوس أصابعها الواحد تلو الآخر. ألقت رأسها على كتفه بتعب:
- "سكتت شهرزاد لأنو إذا كفت القصة, ببطل يخلص الحكي وبتبطل تخلص اللعبة أو بيخلص دغري وبتخلص اللعبة, وأنا ما بدي اللعبة تخلص. ليه بدها تخلص اللعبة؟... بتخلص اللعبة لأنو بتخلص القصة, كل القصة وأنا ما بدي ياها تخلص. "
أمسكت بيده وجعلته يمرّرها على شعرها, يمسّده.
ساد الصمت لدقائق, كان لا يسمع فيها غير صوت أنفاسهما, واحتكاك الأصابع بالخصلات الذهبية. تذكر ما كانت تقوله لعمتها عن شعرها: هودي مش شعرات أصلًا. هودي دهب.
 هي أخبرته بهذه الحكاية كما أخبرته بغيرها الكثير, لكن لماذا ترفض الحديث عن جرح ذراعها؟ قال لنفسه بحنق, ثم قرر أن يقطع الصمت: "قلّك شو؟ خلينا نعكس اللعبة, نشقلبها. إنتِ صرلِك زمان عم تحكي, وكرمال ما تخلص قصتك, صار دوري أنا إحكي قصصي هلأ. إنتِ بتصيري تسمعيهن وهيك بترجعي بتتذكري قصص... بتخترعي قصص."
انتظر إجابتها, لكنها كانت نائمة. ترك الأريكة بهدوء. وبهدوءٍ أيضًا مدّدها على الكنبة واضعًا تحت رأسها وسادة.
ثم جلس على الأرض قبالتها مستمعًا لصوت تنفسها المنتظم الذي يلفح وجهه. فكّر أن شكل أنفها غريب كما كل الفتيات اللواتي أحبهن قبلها, ثمّ بدأ يحكي...
*******
(3)
تقول الحكاية أنها منذ أن فتحت عينيها كان الناس يصابون بالذهول كلما نظروا اليهما, إلى حزنٍ مجدليٍ يسكنهما.
لكنها كانت تعرف أن هذا الحزن لم يغزوهما, دموعًا عالقةً في المحاجر. إلّا بعد وفاة الأخت الصغيرة. خالقًا غشاوةً فوق عينيها, جعلت الأشياء تمر من حولها سريعًا وتُنسى: الأهل, رفاق المدرسة والجامعة. الزوج لاحقًا والأولاد.
في النزع الآخير فقط زالت تلك الغشاوة معيدةً إلى عينيها ذاكرة كل الأشياء التي فرّت منهما, محيلةً عينيها  كعينيّ أختها عسليتين.
*******
(4)
قالوا أنّها الست وأنها وصلت توًّا من مرقدها في الشام. نزلت من سيارة سوداء طويلةٍ جدًا. وبدأت توزع المال على الناس المصطفين على الجهتين دون أن ينضب. عندما وصلت إليها ابتسمت, وقالت أنها اختارتها هي, "أنا؟" تساءلت الصبية. فأومأت المرأة المتّشحة بالسواد برأسها.
استسلمت لها الجميلة وسارت إلى جانبها بإتجاه البحر, وكان البحر أزرقًا أزرق, أشد زرقة من السماء. وما ان وطأتا الماء حتّى أحسّت الصبية بجسدها يطير. صرخت: "يا أمي, يا أمي." وضعت الست يدها في راحتها وطمأنتها أنها ستلحق بهما قريبًا.
...ثمّ اختفيتا عن صفحة الماء.


الثلاثاء، 1 أكتوبر 2013

فتاة الدائرة

إلى ذلك المربع أتت راكضة, سقطت بالقرب منه, نهضت واقتربت, وببطئٍ شديد ضمته, لثوانٍ عدّة. قبل أن تنظر في عينيه بخوف. وبخوف أيضًا أفلتته واستدارت راكضة, وبينما كانت تركض, كانت تصغر وتصغر لتعود طفلةً صغيرة تركض في خطٍ دائري.

اسمه قيس, ويظن أنه ورث القليل من جدّيه امرئ القيس وقيس بن الملوح. عمره 25 عامًا وما زال محافظًا على عذريته كأي فتاةٍ عفيفة من عائلة محافظة.

"إنتَ بتنام مع الكتب والدواوين.
...وكاسيتات أم كلتوم كمان."

فتح قيس عينيه, دخل الحمام, لبس ثيابه, شرب القهوة من الركوة الصغيرة التي يعدها بنفسه كل صباحٍ في مطبخه الصغير, وخرج من منزله المؤلف من غرفتين.

"السما معبقة كأنها بدا تشتي ومش عم تقدر.
سماع هلأ, كانت عم تركض ووجها عم يتغير كتير ويمكن كانت عم تكبر, ولما وقعت حدي, قربت ايدها بس أنا ما عطيتها ايدي. قامت وكانت متل ما هيي هلأ. قربت مني وعبطتني, وعبطتها. مش كتير, فلتتني وطلعت فيي كأنها خيفانة, أو كأني كشفتها, كشّفتها, ما بعرف. بلشت تركض بس خلص كانت عم تصغر وتصغر هيي وعم تركض كأنو ع خط دائرة واختفيت ورا الحيط.. عرفت كيف كأنو بس خليتها تحب, كسّرتلها الصورة اللي عامليتا و..."
"دخيل الله شو بتفلسف وبتتفلسف.."

اسمه قيس, وكل عامٍ أو عامين يتسجل في كلية مختلفة لا طمعًا بتحصيل معارف كثيرة بل ليحافظ على المال الذي يحصل عليه من المعاش التقاعدي لوالده المتوفى من الدولة.

"وبس يصير عمرك 28 ويبطلو يدفعولك؟
..."

لم يؤمن بجدوى العمل, أيّ عمل. حتى الكتابة. "اسّا ما بيبقاش شاه" يردد العبارة باللهجة نفسها التي يقولها جارهم الجنوبي الذي فقد بيته وعائلته في اجتياح 82, كلما حاول أحد دفعه للعمل.

"ليش بتكتب طيب؟"
"مين قال؟"
"شفت الدفتر هيديك اليوم, اللونو أخضر."
"آه, هيدا مش الي, لقيتو ع التَتْخيتة عنا بالضيعة. كان لبيّي"
"ما بو شي أبوك, بيكتب منيح"

لم يُري أحدًا ما يكتبه, لا عندما كان يكتب يوميًا ولا اليوم عندما أصبح يكتب بشكل متقطع. يكتب ويسخر من ما يكتبه, دون أن يمزّق شيئًا: تراوده رؤية بأنه سيأتي بالقليل من ما آتى به جدّاه: امرئ القيس وابن الملوّح.

"بس تشوفها لحالك بتقول: ترائبها مصقولة كالسجنجل
نمت معها ليه؟
لأ..
ايه كيف شفت أنو كالسجنجل؟ انتَ شايف بنت مزلطة أصلًا لتعرف المصقول من المش مصقول؟
بعين القلب رأيت, ويضحك
قلبت صوفي مبيّن؟"

حسام هو الذي قرأ في الدفتر الأخضر. وهو الوحيد الذي زاره في منزله المكون من غرفتين, لأن الانتقال من غرفة إلى آخرى كالانتقال من عالم الى آخر كما كان يقول. سمح له بذلك لأنه يشبهه.

"أنا بشبهك؟ أنا نايم مع نسوان ع قد ما انتَ حاكي عن نسوان"
"..."

كانت يعرف أن حسام يشبهه وأنه يعرف أنه يشبهه: يعمل في تجليد وتلصيق الكتب العتيقة ليتمكن من دفع اجار غرفته فقط. لأنه مثله لا يؤمن بجدوى العمل, أيّ عمل. حتى الكتابة. ومع ذلك كان يكتب, يكتب ويمزّق ولا يُري أحدًا. لكن قيس كان يعرف بعين القلب كما يردد ويضحك.

"انتَ حتكتب رواية
قلتلك من شويّ, أنا ما بكتب..
بكرا رح تنشرها كمان
بعين القلب عرفتها هيدي كمان يا حلاج؟
ايه بعين القلب, يا تولستوي." ويضحك.

لم يصدقه حسام, وهو لم يكن يصدق نفسه. يخترع الحكايا والرؤى وفي المرات القليلة التي كان يرى فيها بعين القلب حقًّا, لم يتحقق شيء من رؤاه هذه: أيلول الذي سيموت فيه أحد يحبه مرّ, والصديق الذي سيهاجر بقي يعيش في قريته, وعمله الذي سيفخر به جدّاه لم يتحقق لأنه لا يكتب الشعر أصلًا. حتى رؤياه عن الفتاة في الحلم لن تتحقق.

"دايمًا بتقول امرئ القيس قبل مجنون ليلى حتّى و..
اسمه قيس بن الملوّح مش مجنون..
مش مهم الاسم, المهم الفعل, حبيبي امرئ القيس كان ملك وشاعر وسكّير ونص نبي, انتَ حتى قيس العاشق المعتر ما بتشبهوا: بتحكي, حكي ومش شعر,وكل يوم بتحب بنت شكل. لا ملك ولا سكّير و"نبؤاتك" ما بصير منها شي, ربع نبي ما بتطلع."

لمى صديقته التي تكبره بعدة سنوات فاتها سنّ الزواج - كما تقول- وتحبّه..تغويه فيبتعد ويكتفي بالابتسام حين تقسو عليه بالكلام, يبتسم بمرارة ربما لكنه يكتفي بالابتسام ويمضي.

"انتَ بتنام مع الكتب والدواوين
(وبسكر فيهن, أراد أن يقول لكنه تذكر أم كلتوم)
..ومع كاسيتات أم كلتوم"

اسمه قيس, هو دودة كتب لكن عندما كان الأمر يتعلق بالجامعة فإنه يعجز عن اكمال صفحتين. حتى عندما تسجل بقسم الأدب العربي, كان يبدأ بمطلع معلقة جدّه "قفا نبكي من.." ويشعر بالاختناق. يرمي المقرر الجامعي ويأتي بكتابه الضخم فتسيل الكلمات على عينيه وجسده وتختلط الأبيات بالأبيات والأوزان بالأوزان ويسكر باللّغة.
ابتعد عنها, والسماء الغائمة المحتبسة سالت أمطارها بغزارة.

"امشي طلاع لعندي.. لوين رايح بهالشتا؟ بشربك نبيت تاع, مش ضايق النبيت انتَ لأنك مش سكّير متل امرئ القيس, النبيت بدفي.."

غاب الصوت عنه وواصل مشيه مبتعدًا. يريد أن يرى حسام رغم أنهما كانا سويةً هذا الصباح. الهواء البارد يصفع وجهه فيشعر بجلده يتشقق وبحبال المطر تقبض عليه.

"بحب الكتابة الذهنية, بتضل تغير الكلمة لتلاقي الكلمة اللي بدك ياها متل الشعر. بتحط الفواصل والنقط, بتاخد نفس انتَ وعم تقرا وبتكفي. هون نقطة, بتسكت. بترجع بتبلش فقرة جديدة."

دخل إلى البناء العتيق الذي يسكن فيه حسام, فخفّ البرد, نفخ في يديه وبدأ بصعود الدرجات ثلاثة, ثلاثة.
قرع الجرس وانتظر. لم يسمع وقع أقدامٍ يقترب.. دق الباب الخشبي فلم يفتح أحد. جلس على الدرج ليرتاح قليلًا لكن رجلين صاعدين يحملان كنبة أجبراه على الوقوف ليمرّا. انتبه الى أنه مرّ بـ بيك آب قرب المدخل, يبدو أن سكانًا جددًا سينتقلون الى البناء. يقرع الجرس ويدق الباب في الآن نفسه لكنه لا يسمع سوى ارتطام حبّات المطر بشباك الدرج.كما صعد نزل ثلاث درجات في كل خطوة, ووقف في المدخل مقرّرًا انتظار حسام فربما كان نائمًا أو في الدكان. أخذ يراقب العمال في صعودهم وهبوطهم, مستمعًا لوقع خطواتهم ولسقوط المطر على أكياس النايلون التي تغطي الأغراض.

عندما شارف العمال على الانتهاء من نقل الأغراض التي لم تكن كثيرة, فكّر أن السكان الجدد لا بدّ أن يكونوا طلّابًا أو طالبًا وقرر الصعود من جديد ليدقّ على حسام. وبينما كان يستدير ليصعد سمع وقع أقدامٍ سريعًا على الدرج ورأى فتاة الجامعة, فتاة الحلم نفسها تتعثر لتسقط على الأرض أمامه في المدخل المربّع. وقف مدهوشًا للحظات في الفتاة التي تأنّ ألمًا. اقترب منها, أمسك بيدها وساعدها على الوقوف بينما مدّ يده الثانية ليمسح الوحل الذي ملأ الأرضية من أحذية العمال عن وجهها, وأحس بالكبرياء يغدو على وجهها كرياتٍ من الدموع وباليدين الصغيرتين محاولتين تطويقه في عناق. مرّ بيده على الوجه بسرعة وركض إلى الخارج وفي كل خطوة كان يحس بأنه يكبر ويكبر, يتناهى الى مسامعه ضحك جدّه امرئ القيس وبكاء جدّه قيس بن الملوح.
.
.
.
فكّر قيس وهو مبتلّ تمامًا, مصابٌ بالزكام والعطاس يخلع حنكه: " أليس الجانب الأمتع من الحياة هو تلفيق حكايات ممتعة والاستماع إلى حكاياتٍ ممتعة؟
...ماذا عن عيشها؟ "

السبت، 7 سبتمبر 2013

تخاريف عن الروايات والحرب وتولستوي

الكلمات تسيل من يديّ, كلّ الكلمات.
حتى كلمات الروايات التي أكثرت من قراءتها تفرّ لتظهر في أحلامي, تؤرقني.
 
الصفحات الكثيرة تنهال عليّ, صفحةً تلو الصفحة, سطرًا تلو السطر, شخصية اثر أخرى. هناك صوت, صوت يقرأ الكلمات بسرعة ويقلب الصفحات.
******
يقول تولستوي أن نابليون غزا روسيا في 1812 وأفنى جيشه من أجل كبرياءه وكبرياء فرنسا. 
يقول أبي أن أوباما سيضرب سوريا لأن صورة أمريكا القوية ستهتز في العالم ان لم يفعل. 
أنا أصدّق كل ما يقوله أبي لذلك سأصدق ما يقوله تولستوي. .
******
قرأت الكثير من الروايات والقصص في الأشهر الأخيرة: أريد أن أصبح روائيًأ, قصاصًا, كاتب حكايا أو حكاية (واحدة) لا فرق.
لكن بدلًا من ذلك كنت أغرق داخل التلة, التلة نفسها, أغرف الكلمات عن سفحها لتسيل من يدي وأغرق فيها أكثر,
 
أغرف, أغرق, أغرف, أغرق, أغرف, أغرق.
نوع من سيزيفية معكوسة.
******
أحب حين أنجح في توظيف مخزوني الميتولوجي في وصف شيئٍ ما: قرأت جزءًا من كتاب عن أساطير اليونان مرّة إضافة للإلياذة والأوديسة وأنيادة فرجيل الروماني.
...
ربما ليس لسيزيف علاقة بالأمر, سيزيف كان يرفع الحجر الى أعلى الجبل فيسقطه ليرفعه من جديد, أما أنا فسقوط متواصل عامودي إلى قلب الجحيم دون صعود وصولًا الى كوسيتوس (استعارة آخرى موفقة من مخزوني الميتولوجي).
******
تخطر على بالي الكثير من الحكايات لأكتبها, الكثير, الكثير. لكنني دائمًا ما أنتهي بالتخلي عنها, اما لأنها كيتش أو لأنها مكررة. أخبرت صديقة لي مرّة عن قصة كنت أنوي كتابتها عن رجلٍ لديه رعب من السيارات ليموت بعد سلسلة من التقلبات والمشاكل التي تواجهه في انفجار سيارة مفخخة, بأسلوب مشابه لسخرية ساراماغو في "كل الأسماء", لم أقل لها بالتأكيد عن ساراماغو, لكن السيارات المفخخة وبدأ الجميع يحكي عن خوفهم منها, وعن تخيلهم لمكان الانفجار التالي وعدد الضحايا وبالتساؤل عن ما يشعر به القاتل. 
فقرفت وشطبت الحكاية.فأنا أكره الكيتش. ( أحب مصطلحات المثقفين -الذين أعد نفسي منهم-: كيتش, ميديوكر, انتلجنسيا, بلا بلا بلا...) 
******
مرّة أخرى بدأت بكتابة قصّة تتألف من مقاطع يتناوب على السرد فيها ثلاثة أصوات, لكن أيًّا كان المقطع الذي ستبدأ القراءة منه فسيكون بإمكانك فهم القصة. للأسف بعد فترة قمت بشراء روايةً, لأن غلافها أعجبني, فاكتشفت أن الكاتب استعمل الأسلوب نفسه, فمزقت ما كتبت.
******
 
أنا أكره أن يقال أنني متأثر بفلان أو بفلان وأكره الكيتش والحبكات الأكثر مبيعًا. ذلك لا يعني أن لدي مانع في أن تكون كتبي في قائمة الكتب الأكثر مبيعًا ولا يعني أيضًا أنني أرفض الخضوع للتأثيرات والسرقة من الكتاب الآخرين لكنني أؤثر سرقةً وتأثرًا أفضل اخفاءً.

فأنا كاتب كبير
- ...
-
حسنًا, مشروع كاتبٍ كبير.
- ...
-
قد أصبح روائيًا ذا شهرة واسعةً يومًا ما, لن تعرف ذلك.
- ...
-
حسنًا لكنني سأحاول على الأقل, لن تستطيع أن تمنعني..
- ...
-
أوكِ, ربما يشبه نصي هذا روايةً (أو شبه رواية) جميلة قرأتها بين الأمس واليوم, لكنني سأمزقه بكل الأحوال.
- ...
-
حالما أنتهي من كتابته سأمزقه سوف ترى, فأنا أكره الكيتش والتأثيرات المفضوحة.
******

حسنًا أنا أكتب الآن لأنني خائف من كبرياء الدول والحروب...
 
ربما ليس من الحرب تحديدًا فأنا دائمًا ما أردد رغبتي باندلاع الحرب كونها تغير الظروف وتقلب الأحوال.
 
ربما أكتب لأنني خائف من الموت...
لكن لا, أنا المنادي دائمًا بلا جدوى الحياة, لن أخاف من الموت..

لخوفي من المجهول؟ أكتب لخوفي من المجهول؟ 
تمامًا, أكتب لأنني خائف من المجهول القابع خلف الضربة العسكرية, أنا الذي أرفض دعوة الى فنجان قهوة أو الى نزهة ان لم تكن مقررة منذ أيام.
...
الآن انتبهت كم هي مبتذلة عبارة "الخوف من المجهول". 
لا بد أنكم انتبهتم لشطبي اياها.
******
الآن سوف أختم كما فعلت مراتٍ عدّة في الأونة الأخيرة,بالمعلم يوسف حبشي الأشقر. لأنه ليس مستهلكًا ولا معروفًا ولا من الأفضل مبيعًا وغير معروف بين الرعاع من عامة الشعب ولا المستثقفين ولا الميديوكر:
"
سمع اسكندر ما حصل, كان مع مارت في بعبدات, عند أصدقاء لمارت. كان يسمعهم يعمّرون أحلامهم, وهم يأكلون ويشربون. وكانوا متناسين انهم ينتظرون شيئًا سيحصل. الجميع باتوا يعرفون أن شيئًا سيحصل.
 
فجأة شعروا ان ما كان سيحصل حصل, شعروا أن القتال بدأ, لم يقلها أحد, لم يجرؤ أحد على قولها, لكنهم تفرقوا فورًا كأنهم اتفقوا على أن يتفرقوا.
 
قتلى الكنيسة وقتلى البوسطة كأنهم وقعوا أمامهم على الشرفة حيث يأكلون ويشربون ويتناسون ويعمّرون أحلامهم." *

_________
*
يوسف حبشي الأشقر, الظل والصدى