الاثنين، 15 أكتوبر 2012

الدولاب - فرض 1 لمادة السيناريو



الشمس مشرقة والسماء زرقاء صافية.عصفورٌ يغرّد على شباك نافذتي.لا أبواق سيارات في الشارع ولا صياح باعة, انه يومُ أحدٍ مثالي.أفقت في العاشرة, تحممت, تناولت فطوري ثم وقفت أمام المرأة, مشطت شعري الأسود وحلقت ذقني التي لم أحلقها منذ زمن.لاحظت وجود بقعةٍ سوداء فوق فمي فظننتها بقايا لوح الشوكولاتة الذي أكلته البارحة قبل نومي, حاولت ازالتها لكنني لم أنجح. قرّبت وجهي من المرأة فأكتشف أن البقعة السوداء شامة نبتت خلال المدة الطويلة التي أطلت فيها لحيتي.رفعت عينيّ عنها فرأيت انعكاسهما في المرأة وانتبهت لأول مرّة ٍ أن لونهما بنيٌ وليس أسود كما ظننت منذ ولادتي.
خرجت من المنزل وبدأت بالسير من شارعٍ إلى آخر. كانت الشوارع شبه خاليةٍ إلا من بعض الفتية الجميلين الذين يلعبون كرة القدم أو يلاحقون القطط لإطعامها.ظللت أسير حتى وصلت إلى مدينة ملاهِ كبيرةٍ جدًا لا يوجد بها إلا دواليب دوارة متعددة الأحجام لتناسب الكبار والصغار وعلى كل واحد من هذه الدواليب عاملٌ مسؤول عن تشغيله والتحكم به. دفعت ثمن البطاقة وصعدت إلى إحدى الكابينات. إلى جانبي رجلٌ عجوزٌ جدًا يتكئ على عكاز ومعه فتاة جميلة بشعر أسودٍ طويلٍ وعينان بنيّتان كعيناي.
بعد أن امتلأت كل الكابينات في كل الدواليب أعطى رجلٌ يجلس في غرفةٍ من زجاج الأمر للعمال بتشغيلها. بدأت الدواليب بالدوران ببطئٍ وأخذت سرعتها تزداد شيئًا فشيئًا. كل ما ازدادت سرعة الدولاب كلما ازداد ضحك الأولاد من حولنا وفرحهم, وطالبوا العامل بزيادة السرعة أكثر. فجأةً جنّ العجوز الجالس قربي وأخذ يشتم الأولاد بصوتٍ مرتفع طالبًا من العامل تخفيف السرعة لكن الأخير لم يعره أيّ اهتمام ورفع السرعة كثيرًا مستجيبًا لرغبة الأطفال. عندها طارت العكاز من يد العجوز وبدأ جسمه يتخلخل فتطايرت أصابعه بعيدًا. في الوقت الذي أضحت فيه سرعة الدولاب جنونية, تناهى إليّ صوت العامل يضحك ضحكة شريرة وواصل العجوز تفككه, فطار رأسه وقدميه وطارت يداه ومعدته. كذلك بدأ الناس يطيرون من الدواليب الأخرى, وتحولت الفتاة الجميلة لساحرةٍ عجوزٍ شمطاءٍ, أخذت تضحك مني بتشفٍ وسخرية. فغضبت منها وقمت لأضربها لكن الدولاب انقلع من مكانه وطوّح بي بعيدًا في السماء بينما طارت الساحرة الشمطاء على ظهر مكنسة قش أصفر.
بعد أن قذفني الدولاب بعيدًا مع الكثير من الناس الأخرين ظللت أطوف في السماء لسنوات عديدة, رأيت خلالها الكثير من المدن والأبنية والشوارع والناس, وشاهدت أيضًا الكثير من البحار والأنهار والسفن والمراكب المتعددة الألوان وتنقلت بين الكواكب المختلفة. وكثيرًا أيضًا ما صادفت أناسًا من من قذفهم الدولاب وكنت أبادلهم التحية وأسألهم عن أحوالهم.
لكن فجأةً و في أحد الأيام بدأت بالسقوط من الأعلى وأخذت أقترب من الأرض بسرعةٍ شديدة, كادت إحدى الطائرات الشراعية أن تصطدم بي بينما حاول طائر غريب الشكل أن يلتهمني لكنني سارعته بلكمة على منقاره فلجمته وواصلت سقوطي. أخذت البنايات تكبر وتكبر والسيارات كذلك وبدا البشر كنملٍ يكبر في كل لحظة عشرات المرات. وحين أخذ كل شيءٍ يصبح واضحًا بتفاصيله الدقيقة تمكنت من التعلّق بشرفة إحدى الشقق في بناية رمادية اللون.تمسكت بالدرابزين بكل ما أوتيت من قوّة, وكان على الشرفة 3 أطفال يتبارون فيمن يستطيع بينهم أن يبصق في رأس أحد المارة في الشارع.  صرخت بهم طالبًا مساعدتهم فاقتربوا مني بحذر وهم يمعنون النظر في هذا الكائن الذي سقط عليهم من حيث لا يدرون, قبل أن يتشجع أشدهم سمنة ويقترب من الدرابزين مادًّا رأسه ليصبح فوق رأسي فيبصق فيه ثم يعيده للخلف. ليقول للتوأمين ذوي الشعر الأشقر أنه الفائز لكن الطفلين يغضبان ويتهمانه بالغشّ ويدعسان على قدميه فيقوم الفتى ذو الخدود المتوردة بلكمهما, ويرتفع صياحهم غير ابهين لوجودي.يدي المتعرقة لم تمكنني من  التمسك بحديد الدرابزين الأملس فهويت. لكنني نجحت بالتمسك بشرفة الطابق الأسفل, حيث كان يجلس رجلٌ يشاهد نشرة أخبارٍ يؤكد المذيع في بدلته الرسمية وابتسامته العريضة سقوط مئات القتلى وقرب انهيار النظام بينما تقوم زوجته برميّ ابنها بالشحاطات وهي تشتمه وتشتم الساعة التي أنجبته بها. حاولت أن أصرخ بهم لكنهم لم يستجيبوا لي حتى هرب الصبي من أمه إلى الشرفة ورأني فصرخ فزعًا مشيرًا إليّ. عندها رأتني الأم وأخذت تولول بصوتٍ مرتفع وهي تشتمني وترميني بالشحاطات بكل ما أوتيت من قوة فاختلّ توازني وسقطت مرّة أخرى. لكن حسن حظي جعل قميصي يعلق بقضيبٍ حديديٍ نافرٍ من إحدى الشرفات, مما سمح لي بأن أتمسك بالدرابزين للمرّة الثالثة. في هذه المرّة كان هناك امرأة ثلاثينية تشاهد مسلسلًا على التلفاز, حين هممت بمنادتها بدأت بالبكاء والنواح دون أن تعيرني أيّ انتباه. في الوقت الذي أطلّت به المرأة من الطابق الأعلى موجهةً إليّ رميتها الأخيرة التي أصابتني في رأسي إصابةً مباشرةً. فسقطت وارتطم رأسي بالأرض والدم ينزف منه بغزارة ثم متّ. فتجمع الناس حوليّ بكثرةٍ, وقام أحدهم بطلب الشرطة والاسعاف.امتلأ الشارع بالناس وازداد التجمع حولي متسائلين عن هوية الفتى الميت, وبقوا جميعًا منتظرين وصول سيارة الاسعاف التي لم تأتي, رغم أن الشمس أخذت بالمغيب.
 عندئذٍ شعرت بالشفقة على هذه الجموع المنتظرة فتحسّست الجرح في رأسي وتأكدت من توقف النزف, ثم قمت واقفًا. نفضت الغبار عن وجهي وعن ثيابي, و اعتذرت من الناس على جعلهم ينتظرون كل هذه المدة وعدت إلى منزلي فرحًا مسرورًا.

الاثنين، 17 سبتمبر 2012

وَجهُهُ المُتعَب



"أدر وجهك لليمين قليلًا.
نعم هكذا,نور الشمس على وجهك رائع لو رأه رجلٌ على طائرة في السماء لصوّرك"
******
هناك سيارة تلتهم الطريق وهو يبتلعها.
يغمض عينيه, يشعر بازدياد وهج الشمس تارةً وبخفوته تارةً آخرى,وسرعان ما تترأى له السيارة تتمايل بعنف جراء بقعة زيت كبيرةٍ وسط الطريق قبل أن تصطدم بعامود كهرباء ويموت كل من فيها من عداه لأنه قفز قبل أن تشتعل.
"لماذا كلما تخيلت هذا الحادث, تبقى انت وحدك حيًا ويموت الجميع؟ من أنبئك بذلك؟" يسأل نفسه ويتابع:
"خط العمر طويل في يدك! هل تصدق أمورًأ كهذه حقًا؟"
يفتح عينيه, يريد أن يقول شيئًا لكن لا كلماتٍ تخرج من فمه فيغمض عينيه مجددًا.
"ما بال هذه الكلمات لم تعد تجتمع في جملة؟ منذ متى فقدت القدرة على الكتابة وحكاية أفكاري؟أمنذ قرأت شعر المتنبي وأبو الفراس وشعر الجاهليين العظام وشتمت النظام التعليمي الذي لم يخبرنا عنهم يومًا؟ تشتعل في داخلي رغبةٌ حارقة لكتابة الشعر لكنني لا أقدر على ذلك,هل لأنهم قتلوه و استسهلوه وأصبحنا كلنا شعراء؟ أم لخوفي من "
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا وموجُ المنايا حولَها متلاطمُ " و "مهفهفة بيضاء غير مفاضة  ترائبها مصقولة كالسجنجل" من كل هذه البلاغة؟ من أيّ مزراب انسربت يا ترى؟ هل انسربت بسرعةٍ أو ببطء حتى فقدناها؟ ما قاله المتنبي في كلماتٍ تسعٍ نحتاج اليوم لكتاب تاريخ ليحكيه وما قاله امرئ القيس في بيتٍ واحدٍ نحتاج قصيدة كاملة لقوله."

يفتح عينيه مرّة أخرى, فيرى البحر الازرق ممتدٌ أمامه.أزرق, أزرق.
"كزرقة عينيّ ليلى, يا وجه ليلى اظهر لي مرّة أخرى, كما ظهرت من شباك سيارةٍ منذ سنواتٍ ثلاث. يا ليلى ابتسمي لي كما ابتسمت لي شفتاك يومها, شتفتاكِ اللتين قد رأيتهما في كل الشفاه التي قبلتها دون أن أقبلهما.
يا وجه ليلى المتعب اظهر عليّ مرّة أخرى, حل مكانك وجه رجلٌ بلحيةٍ طويلةٍ, رجل برغبةٍ منكرةٍ بحرق كتب الآخرين, كرغبتي بمعاقرةِ الخمر ومضاجعةِ كل نساء الأرض,كرغبة صديقتي بالصراخ معترفةً بخوفها من القمر, كتواطئ العائلة على تصديق أن القريب الذي مات دون أن يصلي يومًا سيدخل الجنة, لأن الله يحبنا ولأن الله يسامح.
إن كان الله يحبنا لماذا يخلقنا  ويجعلنا نكبر و نمرض ويترك أيادينا تتجعد ومن ثمّ يميتنا؟
يومها صرخ المعلم في وجه الصبيّ: "لو لم يكن الله يحبك لخسف الأرض وغطّى جسدك بالركام"  وأجاب معلم آخر بعد سنين عدّة بـ"أن الانسان تجاوز أسئلة كهذه التي لا اجابة لها.
ليتني أقابل الله لأسأله,
ليتني أضبطه بيننا متخفيًا كعاشقة عائدةٍ عند الفجر لأسئله لما خلقتنا؟
لأقول له أريد أن أكون نبيًا يا الله ورجلًا لا يموت.
سيمر وسيكون جميلًا كالأيقونات الكنسية
سأخبره عن أنبياءه اللذين خلقوا بلا نبوة
سيمر الله
لأسئله لما خلقته خاتمًا للنبوة
ألا نستحق أن أكون نبيًا أيضًا؟
لما خلقته خاتمًا للنبوة؟ وتركتنا لخواء الصحراء؟
ألسنا بحاجةٍ لحواريين ولأئمةٍ وصحابة؟
سأقتله وأصير إلهاً مكانه.يقول فيلسوف نصف مجنون, لطالما تخيل الله يحاول النوم في النهار ومستفيقًا في المساء محدقًا من عليائه بالكرة الزرقاء متسائلًا:"هل أنا من خلقت هذا الشيء؟"
ويفكر:"هل مات الله من اعياءه وقلّة نومه فأخلفه عندها دون الحاجة لقتله؟"

نور الشمس لا يزال يقوى ويخفت, يشعر به على عينيه المغمضتين.
"من أين أتت كل هذه الكلمات وملأت الصفحة البيضاء؟ وأنت تقول ما بال الكلمات لا تأتي؟ أهو الخوف من تيهٍ منتظر ما جعلها تتدفق هكذا؟ يا روحي الحمقاء المليئة بالتعب ألا تقدرين أن تتكلمي دون تشبيهاتك الكثيرة هذه؟ أن تنسي حرف الكاف والتشابيه الزائفة؟ أن تتكلمي كروح أي رجلٍ في مقهى شعبي أو امرأةٍ في سوق قديم"
-"هيا انزل من السيارة, لقد وصلنا"
***************
"كان المكان جميلًا جدًا, كأنه قد خرج من كتاب الله أو من الأحاديث النبوية.
كل شيءٍ أخضر أخضر تخترق تلاله وسهوله خطوط زرقاء كثيرة تلتقي عند منبع النهر
وكنا جميعًا هناك وقال البعض أن الله كان معنا كذلك, كنا جميعًا بهيئاتنا وملابسنا البشرية نفوق المكان جمالًا.
اقترب مني رجل عجوز وقال: "هذه ليلى" وتنحى جانبًا. لتظهر ليلى بوجهها الخدر وعينيها الزرقاوين الناعستين, وكنت أعرفها كما يعرف عصفور غدير ماءه.
وفجأة سمعنا أصوات صاخبةً قادمةً من بعيد, ثم امتلأت السماء بالطائرات."

الخميس، 6 سبتمبر 2012

كانون الصيّفي (بقايا كافكا)


حباتُ العرق تتجمع على صدغيّ الأيمن وتتسلّل ببطئٍ إلى باقي الوجه ومن ثم تغمر الجسد.
هل هذا كانون حقًا؟

المروحة تدور منذ الصباح بالحركة البليدة الثابتة نفسها دون تغير بينما تجتاح جسدي رغبةُ غامضةٌ للنوم رغم ساعات الليل العشر,عيناي شبه مفتوحتين,شبه مغمضتين على أسفل صفحة في كتاب يقول الرجل فيها أنه سينفض يده من بوذا وسيحرر عقله من القلق الزائف وسيتصل بالناس اتصالًا وثيقًا مباشرًا.وأحاول أن أعرف لماذا قرر الرجل ذلك,لا عيناي ترتفعان إلى أعلى الصفحة ولا ذاكرتي تسعفني بتذكر ما قد قرأته وأذهب بعيدًا وأرى الكلمات تهجم عليّ من جميع الجهات دون أن أحاول الهرب قبل أن تعيدني المروحة التي تدور وتدور وتوقظني بصوتها.أتلمس شفتيّ اللتين قد بدأتا بالتحول لقطعةٍ من منحوتةٍ اغريقية,أهرع للمطبخ وأشرب كوبًا,كوبين وثلاثة والظمأ يزداد كأن نبتةً نمت في أسفل حلقي تمتص جذورها كل ما أشربه.
أي حرٍّ هذا وأي كانونٍ هذا؟
سأخرج للشرفة علّ هواء المدينة هواء كانون.ها أنا خرجت وأخذت أنصت السمع لوقع أقدام طفلٍ يركض في الشارع فرحًا, ووقع أقدامه واضحٌ رغم أبواق السيارات.الحر هنا أشد من الحر في الداخل. أخرجُ جسدي من الشرفة أكثر وأطلّ برأسي محدقًا في شبابيك البناء المجاور,هل خرجت إلى هنا طمعًا بهواءٍ باردٍ حقًا أم لاشتعال رغبتي مجددًا بعد أن ماتت منذ زمنٍ بعيد؟فخرجت طمعًا برؤية فتاةٍ تتعرى قبالة شباكها أو امراةً متزوجةً تقبل عشيقها وينعكس جسديهما على زجاج النافذة.وبدأت دون أشعر بالصراخ عاليًا لا أعرف ماذا أقول منتظرًا أن تخرج الناس أفواجًا ملوحةً بقبضاتها في الهواء وهي تصرخ وتحملني على أكتافها لأقودها وأصرخ أكثر وأكثر.لكن لا شيء يحصل أيضًا,فلا طيب فمٍ خالصًا للتقبيل يظهر ولا سيفًا خالصًا للثورة.
أشياءٌ كثيرةٌ تجتاحني اليوم.كافكا يجتاحني بينما لا أزال واقفًا على الشرفة,أفكر فيه وبوالده:هل والده هو والدي ؟ أم هو أنا؟ قبل أن يظهر والدي قادمًا من رأس الشارع ومن خلفه شرطيٌ يحدق في شرفات الأبنية كلها. هل أحضره أبي ليلقي القبض علي بعد أن سمع صراخي؟
أرتدي حذاءي بسرعةٍ وأهرب من المنزل بسرعة. أصعد في سيارة أجرةٍ حمراء متهالكة.يسألني السائق إلى اين أريد الذهاب فأطلب منه الاسراع قليلًا والابتعاد عن هذا الشارع وأبدأ بالتحديق في الأبنية, وأسأل "من هذا الذي كان يصرخ؟" وأمعن النظر أكثر في الشرفات.
يكرر السائق سؤاله,أنظر في عينيه بصمتٍ وأربت على كتفه المهترئ وأضحك وأقول "لنذهب إلى منزل صديقي الذي لم أره منذ زمنٍ بعيد لعله يبقيني عنده ليثما يهدأ والدي."
فيبتسم الرجل العجوز ويواصل القيادة ونبتعد عن الشارع ببطءٍ قليلًا قليلًا ويخفّ خوفي قليلًا قليلًا قبل أن ندخل في شارع تملأه السيارات والزحمة وأناس كثيرون عائدون للتو من المقبرة المجاورة بعد أن طمروا جسدًا آخر تحت التراب. فيعود القلق إليّ وأتحسس ثيابي التي أضحت مبللةً بالكامل وشفتيّ اللتين أضحتا حقًا قطعة من منحوتةٍ اغريقية وزجاج النافذة اللذي ألهبته الشمس اللتي ازدادت قوة.
الناس يحدقون فيّ بشكل غريب والسيارات لا تزال واقفة دون حراك.السائق يطلق العنان لبوق سيارته ويبدأ بالصياح وبالتشاجر مع سائق مجاور بينما يزداد بلل جسدي وتحجر شفتيّ.
صوت سيارة اسعاف آتٍ من بعيد يقترب شيئًا فشيئًا.هل مات شخصٌ آخر الآن؟
أسفل حلقي يتضخم,انها النبتة التي تمتص كل ما أشربه,انها تكبر فيه وتتمدد.غصنٌ النبتة يخرج من فمي فأقضمه محاولًا التخلص منه بينما يقترب صوت سيارة الاسعاف أكثر ويخرج غصنٌ آخر من فمي وأحاول أن أقضمه دون أن أنجح.
صوت سيارة الاسعاف يملأ أذني وأغصانُ النبتة وعروقها تبدأ بالخروج بكثافةٍ من فمي وتغطي وجهي وجسدي,تخرج منها حشراتٌ صغيرة تأخذ بنهش جسدي.
زحمة المرور تنفك والسيارات تبدأ بالسير من جديد, وصوت السائق يتداخل مع صوت سيارة الاسعاف وهو يعلو ضاحكًا بشماتة.

الخميس، 16 أغسطس 2012

مانيفستو الجنون


والدته في غرفة الجلوس تشاهد المسلسل اليومي ذاته الذي يعاد كل يوم,شقيقته في المطبخ تستعد للبدء بتحضير طعام الغداء,شقيقه في الغرفة يترنم بأغنية قديمة حزينة كلماتها ليست واضحة,يرمي الكتاب على السرير بقوة ويدخل الحمام مسرعًأ مغلقًا الباب بإحكام.ينزل الـ"شورت" الرمادي والسروال الداخلي ذو اللون نفسه ويمعن النظر,ينزل يده أيضًا
 "
لا زال في مكانه" -يقول لنفسه-
يرفع الشورت والسروال الداخلي مجددًا ,يرى انعكاس وجهه في المرأة ويحدق فيه. طويلًا "لمن هذا الوجه؟"
 
يقترب أكثر من المرأة يتلمس الشعر الأسود,ينزع النظارة عن وجهه.يمر بأصابعه على الحاجبين,على العينين البنيتين وعلى الأنف
 "
لمن هذا الوجه؟"
 
يمرر يده على الشفاه الزهرية ومن ثم يقترب من المرأة أكثر ويقبل انعكاس الشفاه في المرأة "
"
لمن هذا الوجه؟
"أهو وجهه؟...نعم وجهه,لكني لم أره,لم يضعوا في الكتابة صورةً له حكوا الحكاية فقط عن اقتلاع عضوه الذكري ووضعه في علبة كبريت تناقلتها الأيدي في بيروت متباهيةً بهذه الغنيمة...لا لست يهوذا, لست يهوذا وان كنت قد قبلت شفتيه!" 
صوت ديكٍ يتسرب إلى أذنيه من منور الحمام.
"
لماذا يصيحُ ديكٌ في هذا الوقت من النهار؟ لا لا لست يهوذا و لا أي أحدٍ أخر أيها الديك! لا أعرف أصلًا من هو!" 
يمسح بكفه اليمنى حبات العرق التي تجمعت على جبينه مبللةً شعره.يحاول أن يطمئن نفسه.
"
نعم,نعم أنا لست يهوذا لم أكن قد ولدت أصلًا حين قتل,لم أكن قد ولدت لكن لماذا يحدق فيّ بهذه الطريقة؟"
يصرخ بصوتٍ عالٍ:"ما قتلتك,ما قتلتك بحلفلك انو ما قتلتك,مين انتا ما بعرفك,مين انتا مين؟ منان طلعلتلي بهاليوم الزفت!؟من قال لك أنـ....." يشعر أن كلامه قد أضحى صراخًا فيهمس من جديد:"من قال لك أنني,,"
تقرع أمه الباب:"شو باك يا ماما,صرلك شي ؟ ليش عم تعيط؟ "
"
ولا شي يا ماما ولا شي,كان في صرصور كبير بس قتلتو هلأ" يجيبها وهو ينظر إلى الباب الخشبي الأبيض منتظرًا ان تبتعد. ما ان يسمع صوت ابتعاد خطواتها يرفع رأسه إلى المرأة مرّةً أخرى
 "
لمن هذا الوجه؟أين ذهب الوجه الأول-الذي قبلت شفتيه؟"
راحة يده اليمنى ترعاه فيحكها,ينظر اليها
 "
يا لهذا الكم من الخطوط! من أين خلق الله لي كل هذا؟" 
يمرر يده الأخرى على الخط الثاني أسفل أصابع يده اليمنى وترتسم على وجهه شبه ابتسامة
 "
خط العمر طويل,سأعيش كثيرًا هذا ما قالته لي رنا,أذكر هذا جيدًا.قالت لي ذلك حين كنا في يومٍ من أيام الربيع الماضي في المقهى وقالت أنها هي ستعيش أيضًا لكنها ستعاني من المشاكل,نعم أذكر هذا جيدًا". 
يغسل يديه المتعرقتين ويرتدي نظارته متجنبًا النظر في المرأة ويخرج.
يدخل غرفته.شقيقه ليس هنا,يرتمي على سريره قدماه على الأرض المليئة بالمربعات الملونة.ينظر إلى الشباك
 "
لماذا وضعوا هذه القضبان على الشباك؟لما لم يزيلوها بعد؟لم نعد صغارًا لنقفز منه,لم يعد لدينا ألعابٌ لتقع منه,اخلعوا هذه القضبان؟لمن وضعت هذه القضبان!؟"
 يشعر أن الشباك يقترب منه ويبتعد,يخلع نظارته,يشعر أكثر باقتراب الشباك وابتعاده,يرى رجلًا واقفًا على حافة الشباك يدير الرجل رأسه ويبتسم إليه.
"
عمو عمو لماذا أنت واقف هنا!؟ انزل انزل!!"
 
لكن الرجل لا يسمعه ويقفز.
يقوم عن السرير مسرعًا لعله يستطيع اللحاق به أن يمسك بطرف قميصه أو بقدمه لينقذه لكن ضوءً شديد السطوع يعمي عينيه ويقذف به بقوةٍ هائلة إلى السرير.الكتاب مفتوحٌ بقربه على الصفحة 139: "...عرفت من قتل ابني وعرفت الطريق الذي يسلكه يوميًا إلى مقر حزبه وبعد مراقبته طوال شهر ألقينا القبض عليه وهو يمر في احدى الطرق الجبلية الفرعية التي يسلكها دومًا وبعد أن عذبناه واعترف بأنه هو من قتل ابني مع مرافقيه اللذين قبضنا عليهما معه قمنا بإفراغ عددٍ لا أذكره من أمشاط السلاح في أجسادهم ومن ثم عمدت إلى قطع قضيبه ووضعه في علبة كبريت كبيرة لم يبقَ أحدٌ في بيروت لم يرها.أما الناس اللذين كانوا يعبرون على الطريق في نفس وقت عبوره فقد أوقفناهم جميعًا وبعد أن تحققنا من هوياتهم تركنا القليل منهم ليمروا أما الباقين فطلبنا منهم النزول من السيارات والانتظار غير ابهين بصراخهم وتوسلاتهم.بعد ساعة انفجر عددٌ من السيارت التي كانوا يقودونها بعد أن فخخناها بكمياتٍ كبيرةٍ من الـ تي ان تي .كل الذين كانوا هناك ماتوا جراء التفجير جميعهم من عدة طفلةٍ صغيرة كانت ترتدي فستانًا أبيضًا ملطخًا بالدم والوحل وعندما رأيتها
يرمي الكتاب أرضًا.

"هل السوريون وحدهم من يقتل بعضهم بعضًا؟هل هم وحدهم ليسوا بشرًا ؟لماذا هذه الدهشة على وجوهنا عندما نرى ما يقترفونه في حق بعضهم البعض ألم نفعل في السابق مثلما يفعلون الآن؟"
 
يقول بصوت أقرب إلى الهمس:"شو يا عمو بس هني مش بشر متل ما كنت تقول!؟" :
يفكر مرّة أخرى:
"
ماذا عن تل الزعتر؟عن الدامور؟اهدن؟صبرا وشاتيلا؟ماذا عن السبت الأسود وأيام آخرى دامية؟عن أماكن وأيامٍ كثيرة أخرى مختلفة متفرقة؟ هل سامحنا بعضنا على ما جرى فيها؟هل سامحنا أنفسنا قبل أن نسامح بعضنا؟"
 قبل أن يقول بصوت مرتفعٍ : "15 سنة يا عمو 15 سنة,نحنا بشر شي؟" 
وكأن صراخه هذا أعاده إلى وعيه:ينتبه إلى أن انفجارًا ما قد وقع,يقترب من الزجاج الذي لم ينكسر رغم قوة الضربة.يحدق من الشباك. 
"
يبدو أن الانفجار حصل في منزل بواب البناء السوري,هل عمو هو من فجره؟هل ستندلع الحرب الآن؟" 
يبقي وجهه على الشباك يرى انعكاس أرضية الغرفة على الزجاج:مربعات كثيرة كثيرة مختلفة الألوان ويرى وجهًا "لمن هذا الوجه؟هاي يا أنت! من أنت!؟"
 يشعر بالوجه يتبدل لكنه لا يزال يشبهه ويواصل تبدله

 "
لمن هذه الوجوه التي تشبهني ,أنظر الى هذا انه يشبهنني كثيرًا لكنه يضع طربوشًا وله نفس عينيّ وهذا أيضًا له نفسه اللحية والأنف لكنه يرتدي عقالا,من هذا أيضًا هو كذلك يشبهني بشرته الحنطية وشفتاه تشبهان شفتيّ!! من هؤلاء؟من أنتم؟ من نحن؟" يتذكر ما قاله لصديقه اليوم:"العرب بدون 100 سنة ليصيروا حيوانات حتى قبل ما يصيروا بشر" 
وما قاله الشرطي الذي كان يطرد صاحب عربة الخضار العجوز من أمام مبنى البلدية:"العرب جرب لو شو ما عملو"
"
لكن من هم العرب؟ أليس الشرطي عربيًا؟ أو جارتهم التي لطالمت شتمت أهل الحيّ أليست منهم؟ أستاذه في الجامعة اللذي يؤكد دائمًا أن اللبنانيين شعبٌ تافه ألا ينتمي مثلهم إلى هذا الـ"لبنان"؟ أنا أيضًا ألست مثلهم؟ أنتمي لهذا الحي ولهذا اللبنان ولهؤلاء العرب؟ألست عربيًا أنا أيضًا؟لماذا هذه الوجوه كلها؟أنا أيضًا عربي,أنا أيضًا"
 
الوجوه لا تزال تتقلب على الزجاج.يضرب الزجاج بقبضته فيتناثر إلى الأسفل.
صوت منخفضٌ أكثر من الصوت الأول يوقظه مرّة أخرى وألسنة اللهب ترتفع من مكانٍ بعيد قليلًا.
يبدأ بالصراخ بشكل هستيري:"ولعت الحرب,ولعت,علقت مرّة تانية" يخرج من الغرفة وهو يواصل صراخه الهستيري ويبحث في المنزل عن أهله دون أن يجد لهم أثرًا.
"
اللعنة عليهم أين ذهبوا؟أمي اللعينة تركتني وحيدًا مرّة أخرى.ألهذا كانت نزقةً معي حين كنت في الحمام منذ قليل؟ تبًا لها"
يدخل إلى غرفة الجلوس ويشغل التلفاز,الشريط الأحمر أسفل الشاشة يشير إلى اندلاع حريقٍ في أحد المحال التجارية الكبيرة سببه احتراق أحد مولداته الكهربائية قبل أن يسمع صوت صراخ عدد كبيرٍ من الرجال فيخرج إلى الشرفة ليرى جارهم يحمل بواب البناية وهو يركض وجسد البواب مليءٌ بقطع الزجاج.
 
يبدأ بالصراخ:"شو صرلو الناطور؟شو هيدا الانفجار اللي طلع من عندو من البيت ؟قصفو قصفوا حاجي تقولو انفجرت قنينة الغاز قصفوا قصفوا وولعت الحرب تاع ساعدني يا عمو الحرب علقت وأهلي الكلاب تركوني لحالي وهربو"
تخرج والدته إلى الشرفة تمسك به,تحضنه وتدخله إلى المنزل لكنه سرعان ما ينتفض ويدفعها بعيدًا عنه 
"
انتِ تركتيني اغربي عن وجهي ,,لقد تركتني,كلكم تركتموني,كلكم" 
ويبتعد.
 
موسيقى مأتمية تنبعث خفيفةً من مكان ما,يغضب أكثر ويألمه رأسه أكثر يدخل إلى المطبخ يشرب كوبًا من الماء
 "
لما مذاق الماء هكذا؟لما هو مالح؟" يشرب كوبًا ثانيًا وثالثًا "لماذا هي مالحةٌ هكذا!؟"
يحدق إليه شقيقه وهو يرتشف كوبًأ من الماء: "مش مالحة ولا شي انتَ نقاق" ينظر الى شقيقه بغضب ويضربه بقوة على رأسه
"اخرس أنت لقد هربت معهم أيضًا وتركتني وحيدًا"

يدخل إلى غرفته مجددًا وينظر من الشباك ذو القضبان ها هي جارتهم الثلاثينية العزباء الذي يقوم دائمًا باستراق النظر إليها بينما تقوم بتغيير ثيابها بعد عودتها من عملها,ها هي تقوم بما اعتادت القيام به كل يوم.
ما ان يراها حتى يبدأ بالصراخ
"
أيتها العاهرة,أيتها الفاجرة هل هذا وقت عريك؟الآن وقد اندلعت الحرب هل هذا وقت 
عريك؟ ساقوم باغتصابك أيتها العاهرة وسأظل أقوم بذلك بشكل متواصل إلى أن أقتلك" يهم بالقفز من الشباك لكنه يقف,يتحسس أسفل معدته
 "
لا يزال هنا,سأمزقها,سأمزق جسدها الغض ولحمها الأبيض الطريّ,سأمزق ثيابها كلها وسأمزق شفتيها الزهريتين بأسناني وأبصقهما على وجهها,"
يخلع القضبان المهترئة والمتخلخلة ويقفز محاولًا الوصول إلى شباك الفتاة التي ما زالت تنزع ثيابها قطعةً قطعة لكنه لا يتمكن من الوصول إلى شباكها ويبدأ بالسقوط وهو يصرخ لكن لا صوتًا يخرج من فمه,يحاول أن يصرخ أكثر,
"
أين صوتي؟ لماذا لا أسمع صراخي" 
قبل أن يصطدم رأسه بالأرض أمام باب بواب البناء والدم ينزف من رأسه بغزارة.
_______
المقطع الذي تقرأه الشخصية من كتاب, مقتبس من ما رواه جوزيف سعادة عن عملية انتقامه من قتلة ابنه في أيام الحرب الأهلية الللبنانية,لكنني قمت بإعادة تخيل الحادث مع الإبقاء على حكاية علبة الكبريت , ولا أذكر إن كانت الفتاة بالثوب الأبيض من ما رواه   
سعادة أيضًا. \ ملاحظة أضيفت في 26\8\2012

الاثنين، 13 أغسطس 2012

موتٌ ليلة القدر

يسير رامي وشقيقه حسن الشيخ جنبًا لى جنب في أحد شوارع المدينة,الأضواء الصفراء تنير ليل الشارع وليل المدينة الطويل.اليوم هي ليلة القدر والشقيقان لا يشعران بأهمية كبيرةٍ لهذه الليلة رغم الحاح أمهما المتواصل عليهما بضرورة الذهاب إلى المسجد لإحياء ليلة القدر اليوم أو من أجل صلاة الجمعة أو حتى من أجل الصلاة فقط في الأيام العادية,فالمسجد لا يبعد عن منزلهم سوى خمس دقائق ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد يقول الرسول.

الأخوين اللذين لا يزالان صغيرين في السن لا يشعران بما تقوله أمه رغم تفهمهما له ومحاولتهما ارضاءها قدر الامكان.
الأخوين يفرحان بأمور آخرى فرامي الأكبر سنًا يحب الجلوس على الشرفة القريبة جدًا من الشارع مراقبًا المارة والمشادات اليومية بين أبو كريم صاحب البناء وأصحاب المحال المتأخرين عن دفع أجارتهم كما هو الحال في كل شهر ويحب أكثر التفرج على الوجوه أكثر من أي شيءٍ اخر,الوجوه والمزيد المزيد من الوجوه وخاصة وجوه الفتيات كانت وجوهوهن تسحره وتملأه بسعادة غريبة تخلف على وجنتيه احمرارًا غريبًا.أما حسن فيتمنى لو كان بامكانه حمل الراديو معه أينما ذهب لكي يستمع للأغاني الفيدمة التي كان رأسه يمتلأ بها,وكان كلما سمع أغنيةً أكثر قدمًا كلما شعر بالفرح أكثر.وكثيرًا ما كان يتخيل نفسه عازف عود أو مطربًا كبيرًا بالأسود والأبيض يقف الناس للتصفيق له.

كان الأخوان يسعدان بأمور كهذه ولم يشعرا يومًا بذلك الاحساس الذي ينتاب أمهما وتلك السكينة التي تلفها أثناء قيامها بأعمال ليلة القدر أو أثناء الصلاة أو خلال أي فريضة دينية آخرى.
لكن في كل الأحوال فلقد وعد الصبيان أمهما بأن لا يتأخرا في قلب المدينة و أن يعودا بأسرع وقتٍ ممكن إلى المسجد لتأدية أعمال هذه الليلة.
لم يكن الشقيقان يحبان قلب المدينة لكن سهولة الوصول والعودة من هنا دفعتهما للمجيء:أثرياء,أثرياء والكثير منهم تمشي معهم كلاب مدللة مختلفة الأنواع قد يفوق سعر الحبل المربوطة فيه سعر ما أرتديه أنا وسامي -يفكر حسن-,والكثير الكثير من الفتيات القبيحات اللواتي على ما يبدو يتبارين في من منهن تكشف عن "محاسنها" أكثر من الآخريات -يفكر سامي-.
وبينما هنا يلتهمان لوحين من الشوكولاتة يرن الخلوي الذي أعطته الأم لسامي فيضغط الصبي على الزر الأخضر لتسأله أمه إن كانا قد عادا إلى الجامع.يبحث الصبيان بسرعة عن سيارة أجرة وبسهولة يجدان سائقًا -تشير اللوحة الموضوعة داخل سيارته-على أنه يسكن في منطقة قريبة من منهما في إحدى الضواحي ويبدو على وجهه الملل والنعاس.


... يقترب الأخوين من مدخل المسجد وهما يحدقان ببعض الصبية اللذين جلسوا على الرصيف يتحدثون و بشاب وفتاة يتحدثان والحياء يملأ وجهيهما وبينما هما يقومان بخلع الأحذية يظهر أحد أصدقاء سامي ويطلب منه المجيء معه لأن هناك شيءٌ ضروريٌ يريد اخباره به.يومئ رامي لشقيقه حسن بأن يسبقه ويمضي إلى خارج الجامع مع صديقه الذي يبدأ بإخباره عن كيف تمكن من مشاهدة إبنة الجيران وهي تقبل أجير صاحب الدكان على الدرج وفيما هو مستغرق في وصف استراقه للنظر من شق الباب حين كان يهم بالذهاب للعب كرة القدم سطع ضوء شديد الوهج تبعه صوتٌ قويٌ جدًا واحساسٌ بالفراغ وبهواءٍ ساخن وحجارة تتطاير.الأم التي كانت تحيي الليلة في المنزل وقعت أرضًا من قوة الانفجار والقناة التي كانت تنقل من الجامع أصبحت شاشتها زرقاء صامتة.

...في اليوم التالي وجدت جثة حسن تحت ركام المسجد وعلى القناة التي أضحت البارحة زرقاء ظهر رجل ذو وجهٍ انساني عادي مع لحيةٍ طويلةٍ بعض الشيء مؤكدًا مقتل عدد كبير من المنافقين في الانفجار الذي استهدف الجامع بينما أعمي صديق رامي إلى الأبد.
ومن يومها نادرًا ما كان رامي يجد أمه تصلي وتوقفت عن الطلب منه الذهاب للصلاة في المسجد أما هو ففي يوم دفن أخيه أحس بلذة غريبة تملأه أثناء الصلاة على الميت ومن وقتها لم يغب يومًا عن الصلاة في المسجد.

الخميس، 9 أغسطس 2012

الله,الخلق وصبيٌ يهوى الحديث عن ما لا يحكى عنه


عندما خلق الله الوجه حدّق فيه طويلًا 
ثمِلَ في الشغَفِ اللامِعِ في العينين
والكرز الشبٍقٍ في الشفتين
عندما خلقَ الله الوجه كان إلهًا ففكر بما قالَهُ شاعر سيأتي بعد آلاف السنين:
"
هل خلق الله الخمرة حتى لا نشربها؟"
وصمت طويلًا ثم سأل نفسه:
هل خلقتُ الشفاه كي لا تتلامس ؟
والعيون كي لا تتلاقى؟
والشعرَ المبلل بالرذاذ المنعش كي لا يتشابك ؟
ثم غفى ثملًا و أفاق بعد آلف عامٍ على موت الشاعر على صورة آدم
******

عندما جلس قُبالة الفتاة في المقهى
-
صبيٌ ذو شعرٍ أسود لا الله-
غرِق في خطوط يدها وقال لها:
هل خلَقَ الله الكف ليحمي تفاصيل الوجه من غيرة الذراع الخاوية؟
"
أصابعٌ خمسٌ في عين الحسود وراحة تملأها خطوط لشدة اختلافها تتطابق لا تحمي الوجه كثيرًا يا صغيري"
******
أسفلُ الرأس
رقبةٌ ملساء,كتفٌ منساب
ونهدٌ مثاليُ التكوين
 بحجم إجاصة لا يزيد عن راحةِ اليد ولا ينقص,يقول شاعرٌ آخر سيأتي بعد آلاف السنين أيضًا
يُفَكِّر الله:
"له ما يريد نهد مثالي التكوين لا ينقص ولا يزيد
ولي أنا ما أريد:
نهدٌ مكتظٌ بحليب دافئ يقطر من حلمة زهرية لن يرضعه الشاعر الا من صدر أمه”
******
"البطنُ غوايةٌ مخفية:
حبلُ السرةِ عقد منذ الولادة على حكايا الروح ما قبل الجسد وعلى سري
السر الأكبر:سر الخلق"
******
أسفلُ المعدة
أصلُ الغواية
إلتقاء الخالقِ بمخلوقه
وعودة الضُلعِ إلى مكانه وإلتحام الجسد
لثوانٍ قليلة كأنها الأبد
******
"القدمين هديتي لهم -يقول الله-
من دونهما لا قيمة لأجسادهم
أكوازُ الرمانِ حباتها منفرطة تحت أقدام ابني
والمجدلية تلثمُ القدمين المباركتين"
******
"الصبي الذي كتب
عن متعة الجسد قبل أن يعيشها سأحرمه منها
فهذا إغواء لم أخطط لخلقه قبلًا:
إغواء الخيال"

_______________________________________

(1) : من قصيدة محمد علي شمس الدين "آدم لا يندم" من ديوان أميرال الطيور

(2): بتصرف من نص محمود درويش في حضرة الغياب,الجملة الأصلية: "الاجاصة 
نهد مثالي التكوين لا يزيد عن راحة اليد ولا ينقص"


الأحد، 5 أغسطس 2012

نص لــ صباح جلول - عن جولي ودامبو وآخرين


التلفاز المضاء وصوتُ Julie/Juliette
"
الآن ترى أنني تماماً كما أيّ امرأة أُخرى..
إنني أعرق، وأسعل، ولديّ تسوّسات.
إنّك لن تشتاقَ إليّ، أنتَ الآن تفهمُ ذلك.
أغلِق الباب عندما تغادر."
____________________________

في الغرفةِ هواءٌ مأتميّ السكون.
هواءٌ من النّوع الذي يسمح للأمنيات أن تتكاثر، وتنتشر، وتزداد خطورةً، فقط لتعودَ وتتخابط مع الحيطان الأربعة، لتتفسّخ (الأمنيات لا الحيطان) وتتكسّر شرّ تَكَسّر، كما الكرةُ الزجاجيةُ التي أهدتني ايّاها جدّتي مرّة، وكانت "تصنع" ثلجاً عندما أقلّبها (نوستالجيا هزيلة حقاً، لن أذهب بها بعيداً). 
في الغرفةِ هواءٌ مأتميّ السكون، ما خلا تكّات ساعة الحائط. إنّه ذلك العقرب الصغير المزعج نفسه. 
صورة لِ"دامبو" تتوسط أرقام الساعة الدائرية بإطارٍ أزرق. العقرب- ذيلُ الفيل "دامبو" - يدور بمعدّل إزعاج واحِد في الثانية. منظره غريبٌ فعلاً عندما ينتصف الليل أو النهار.

"
ليتَ لي وجهاً يشبه هذه الموسيقى .."
*
كُرةٌ زجاجيّة تنسحق في مكان ما*
"
ليتهم رِجالاً ونساءً أحبّوا شِعر 'قبانّي' أقلّ وصوتَ الرياح وفيروز أكثر"
*
كرةٌ زجاجية تتحطّم في مكانٍ ما*
"
ليته ذيل دامبو قد شُلّ في ال 48، 67، 75، وأوقات أُخرى منفردة متفرّقة كثيرة كثيرة.."
*
كرةٌ زجاجية تنفجر في مكانٍ ما*
........

كومَة من المسحوقات إذن..
في الغرفةِ هواءٌ مأتمي السكون، ودمارٌ جديدٌ جديد، كرائحة المقاعد الجلدية لسيارةٍ عظيمة مهيبة تركن تحت الشمس، اشتراها مال نفطي للتوّ..
____________________________________ 

على الشاشةِ، تُعدَمُ الأشياءُ وجودَها
لِصالح قطعة سكّر واحدة ، بيضاء ، تمتلئ بالقهوة، قليلاً ، قليلاً ، خلالَ ثوانٍ خَمس.