الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

أربعة خربشات ناقصة, غير مترابطة.

(1)
هناك, في الدائرة المتمدّدة دومًا قرب البحر الميت, أمسك بيد الفتاة ذات الشعر الأسود والعينين العسليتين. ابتسم, وأسرّ لها بكلام لم يفهمه, فضحكت. بعدها أفلتته فركض ثم قفز في الماء, وبدلًا من أن يطفو على سطحه بدأ بالغرق. قاوم قليلًا ثم التفت بصمتٍ إلى الفتاة. كانت تصرخ وتركض بإتجاه البحر. أومئ لها برأسه أن لا تقترب واستسلم للماء الذي يسحبه للأسفل, شاعرًا بطبقة سميكةٍ من الملح تنمو على جلده. متذكّرًا الرجل الذي "بلّعه" رجال الدرك كيلوين من الملح حتى يعترف.
*******
(2)
طلبوا من ركاب الحافلة النزول بإستثناء السائق, الذي تُرِك بعد التأكد من هويته. وضعوا جميعًا في شاحنةٍ كبيرة نقلتهم في رحلةٍ طويلة إلى مصنعٍ مهجور. ومن بعدها حمّلوا في القطار إلى أحد معسكرات الاعتقال.
جرّب ألكسندر, اخبارهم بأنه ليس يهوديًا وبأنه اضطر لركوب الحافلة لتعطل سيارته, لكنهم لم يصدقوه. قال أنه عالم في المرصد الفلكي, لكنهم لم يسمعوه. فتّش في جيوبه, وفي الشنطة التي بقيت معه حتى صعوده إلى القطار طويلًا عن أوراقه, عن هويته أو بطاقة العمل, عن أي شيء.لكنه كان قد نسيها كلها في السيارة. رغم توصيات زوجته المتكرّرة بعدم نسيان أوراقه الثبوتية في أوضاعٍ كهذه.
في معسكر الإعتقال رُمي في مهجع يضم أشخاصًا من جنسيات مختلفة, عاجزين عن التفاهم فيما بينهم. عند العودة من العمل مساءً, كان يصاب بالآرق من اللغات الكثيرة التي يتراشق بها المعتقلين ومن الأسرة الخشبية المؤلمة والمؤلفة من طابقين. الرجل الذي يشاركه السرير, أحس بمعاناته وترك التخت السفلي له, كان أكثر شبابًا وقوّةً منه. بينما كان هو في الخمسين من العمر وبدا في السبعين بعد عدّة أسابيع في السجن. فكّر أن الرجل يشفق عليه, فرفض هذه الشفقة مصرًّا على النوم في السرير العلوي. أصرّ على هذه التقسيمة دون أن ينجح في التفاهم معه باللغة. كانا يتواصلان بالإشارة فقط. ومع الوقت تعوّدا على بعضهما البعض. علم لاحقًا أن جاره "سيمون" هذا مثله, لم يعلم لما أوتي بهِ إلى هنا. وبأن الكلمات التي كان "يترشق" بها حين يعجزان عن التفاهم بالإشارة, كانت بالعربية. أخبره بذلك عجوز روسي, عاش فترة قصيرة في حلب, دون أن ينجح في ترجمة ما يقوله. نجح فقط في معرفة أنه سوري وبأن اسمه سمعان. جرّب أن ينطق الإسم أكثر من مرّة لكن حرف العين بقيَ عصيًا عليه, سمأن, كان يقول.
هناك في عتمة الزنزانة, وفي الليالي الطويلة التي انتهت احتراقًا. حمل عنه سمعان السوري صليبه, كما حمل سمعان القيرواني الصليب عن المسيح في درب الجلجلة. كان يعرف أن ترك الروسي الكهل وحده يعني أخذه للمحرقة. فكان يوقظه عند الفجر ليلحق بالعد الصباحي دون التعرض للضرب, يبذل جهدًا مضاعفًا مع غيره من السجناء كي لا يظهر تقصيره في العمل بسبب بطئه وفي المساء كان يعطيه شيئًا من حصته في الطعام دون مقابل.
عندما يحل الليل ويغطّي الصمت كل شيء كان ألكسندر يسمع من سرير جاره, غناءً خافتًا بهذه اللغة التي لا يفهمها والتي تقطر كلماتها موسيقى وحزنًا.
لن يعيش الروسي, الكهل الخمسيني و العالم في المرصد الفلكي, ليرى أحفادًا له في زمنٍ لاحق ينطقون بهذه اللغة الغريبة التي يرشح منها الغناء. ولن يدري أن شابًا من الجليل سيلاحق إحداهن طويلًا بأبياتٍ من تلك التي يغنيها جاره, لقيس وجميل وعنترة وباقي عشاق العرب, حتى يوقعها في غرامه.  
أغرقت رأسها في صدره. أخذ يمرر أصابعه في خصلات شعرها الذهبية, منتظرًا بقية الحكاية. أمسك بيدها. مرّر أصابعه على خطوط راحتها ثم صعد ببطئ إلى ذراعها وأحس بالخطوط النافرة مكان الجرح العتيق.

- "وهيدي شو قصتها؟", سألها وعلى شفتيه ابتسامة غريبة.
- "هيدي ما شي, ما الها قصة", وأخذت تبحث عن شفتيه.
أشاح بوجهه عنها, فأمسكت رأسه بيديها وأعادته إليها, لامست شفتيها شفتيه, لكنه لم يتجاوب.
-"قلتلَّك: وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح."
- "بس إنتِ منِّك شهرزاد. شهرزاد شعرها أسود, إنتِ شعرك أشقر.", قالها بالكثير من الطفولية.
نظرت إليه بغضبٍ مصطنع.
- "ايه أنا شفتها بالرسمات القديمة."
رفعت اصبعها ومررته على أنفه:"بينوكيو, بينوكيو", قالت له بلهجة مسرحية وضحكت بحزن.
أمسك بيدها وقبّل رؤوس أصابعها الواحد تلو الآخر. ألقت رأسها على كتفه بتعب:
- "سكتت شهرزاد لأنو إذا كفت القصة, ببطل يخلص الحكي وبتبطل تخلص اللعبة أو بيخلص دغري وبتخلص اللعبة, وأنا ما بدي اللعبة تخلص. ليه بدها تخلص اللعبة؟... بتخلص اللعبة لأنو بتخلص القصة, كل القصة وأنا ما بدي ياها تخلص. "
أمسكت بيده وجعلته يمرّرها على شعرها, يمسّده.
ساد الصمت لدقائق, كان لا يسمع فيها غير صوت أنفاسهما, واحتكاك الأصابع بالخصلات الذهبية. تذكر ما كانت تقوله لعمتها عن شعرها: هودي مش شعرات أصلًا. هودي دهب.
 هي أخبرته بهذه الحكاية كما أخبرته بغيرها الكثير, لكن لماذا ترفض الحديث عن جرح ذراعها؟ قال لنفسه بحنق, ثم قرر أن يقطع الصمت: "قلّك شو؟ خلينا نعكس اللعبة, نشقلبها. إنتِ صرلِك زمان عم تحكي, وكرمال ما تخلص قصتك, صار دوري أنا إحكي قصصي هلأ. إنتِ بتصيري تسمعيهن وهيك بترجعي بتتذكري قصص... بتخترعي قصص."
انتظر إجابتها, لكنها كانت نائمة. ترك الأريكة بهدوء. وبهدوءٍ أيضًا مدّدها على الكنبة واضعًا تحت رأسها وسادة.
ثم جلس على الأرض قبالتها مستمعًا لصوت تنفسها المنتظم الذي يلفح وجهه. فكّر أن شكل أنفها غريب كما كل الفتيات اللواتي أحبهن قبلها, ثمّ بدأ يحكي...
*******
(3)
تقول الحكاية أنها منذ أن فتحت عينيها كان الناس يصابون بالذهول كلما نظروا اليهما, إلى حزنٍ مجدليٍ يسكنهما.
لكنها كانت تعرف أن هذا الحزن لم يغزوهما, دموعًا عالقةً في المحاجر. إلّا بعد وفاة الأخت الصغيرة. خالقًا غشاوةً فوق عينيها, جعلت الأشياء تمر من حولها سريعًا وتُنسى: الأهل, رفاق المدرسة والجامعة. الزوج لاحقًا والأولاد.
في النزع الآخير فقط زالت تلك الغشاوة معيدةً إلى عينيها ذاكرة كل الأشياء التي فرّت منهما, محيلةً عينيها  كعينيّ أختها عسليتين.
*******
(4)
قالوا أنّها الست وأنها وصلت توًّا من مرقدها في الشام. نزلت من سيارة سوداء طويلةٍ جدًا. وبدأت توزع المال على الناس المصطفين على الجهتين دون أن ينضب. عندما وصلت إليها ابتسمت, وقالت أنها اختارتها هي, "أنا؟" تساءلت الصبية. فأومأت المرأة المتّشحة بالسواد برأسها.
استسلمت لها الجميلة وسارت إلى جانبها بإتجاه البحر, وكان البحر أزرقًا أزرق, أشد زرقة من السماء. وما ان وطأتا الماء حتّى أحسّت الصبية بجسدها يطير. صرخت: "يا أمي, يا أمي." وضعت الست يدها في راحتها وطمأنتها أنها ستلحق بهما قريبًا.
...ثمّ اختفيتا عن صفحة الماء.