السبت، 2 أبريل 2011

قصة منسية حمقاء عن شاب نسيه النسيان


كان يوما" فقط,مجرد يوم أخر في حياته..


استفاق باكرا",دخل الحمام ونظر لوجهه في المرأة التي أكلها الصدأ الأصفر  ثم مر  بيده البضاء على وجنتيه مقلدا" الشاب الوسيم في إعلان شفرات الحلاقة أملا" أن تظهر   الفتاة الشقراء تظهر  لتحيط جسده بيديها الناعمتين.هي لم تظهر حزن قليلا" لكنه سرعان ما تجاوز الأمر فحزنه هذا كان يوميا".
 

لحظات قليلة قبل أن يخرج من الحمام ,يرتدي كنزة بيضاء  وقميصا" أزرق باهت اللون بمربعات كثيرة وجينز شاحب اللون,وضع حقيبته على كتفه وخرج.


يعبر  الزقاق مستشعرا" نور الشمس على وجهه كـأنه رسول محظوظ بعث في يوم ربيعي,ليصرخ بالناس ليقوموا إلى أعمالهم :"صباح المرارات أيها البشر النائمون,صباح التعب.."*


نحيل قليلا"ومتوسط القامة بشعر أسود كثيف ملتف على بعضه وعينين كبيرتين قابضتين على العالم واندفاع أعمى للقيام بشيء لم يعرفه يوما.
 
متوقفا" عند زاوية كل شارع ناظرا" للنوافذ وحبال الغسيل عساه يرآ ملاكا ينشر الثياب ليحيى على جمال وجهه ألف عام-لكنه لم يراه-,هذا الوقوف اليومي كان يخلف فيه شعورا" غريبا,الشعور ببراءة أدم الاولى,أدم ما قبل الخطيئة.بريء,الله يريد إبقائي بريئا" هذا ما كان يردده دائما" علّها تهدأ روحه ولم تهدأ.
يمر من أمامه رجل ستيني هرم يجر حفيده الصغير خلفه بقليل من الحزم والكثير من الحنان ,محدثا" إياه عن أيام طفولته وهو يجمع عروق النعناع والزعتر في طرابين زجاجية مستعينا ببلاهة واضحة بقصيدة نزار قباني إلى أمه. استفزه ذلك وقرر أن يسير خلفهما ,هو لم يكن يعرف إلى أين سيذهبان ولكنه أيضا" لايعرف طريقه.


يدخل الرجل وحفيده إلى فرن صغير بنيّ اللون كأنه بنيا ليرمى على حافة المدينة,كان الرجل لا يزال متأثرا" بزعتر نزار قباني  أو أنه لم يكن يملك الكثير من المال فطلب منقوشتيّ زعتر,كذلك فعل الشاب  فهو لم يكن يملك سوى ألفيّ ليرة ,الف  للمنقوشة وألف للعودة بالباص إلى المنزل.يجلس على مقربة منهما مراقبا" تزايد تجاعيد وجه الجدّ مع تزايد انفعالاته,لم يكن مهتمّا بحديثه ولكنه سمع كلمات  عن الحسين وزينب والقاسم.هزّ رأسه وأنصت لحديث الجدّ عن القاسم,ثم هزّه مرّة اخرى لم يستطع استيعاب قدرة الرجل على التنقل  من نزار قباني إلى القاسم بتلك السرعة,لم يستطع أن يفهم العلاقة  بين ميلودرامية الطفولة وسيريالية عرس شاب يقام قبل لحظات من موته.رغم ذلك هراءه إلاّ ان الشاب بدأ يعجب به, أحب بساطته وأحب محاولته الظهور بمظهر الإله أمام حفيده,محدثا" إياه عن كل ما يعرفه ومستعملا" كل ما يعرفه من مصطلحات "أيية" (سادية,ماركسية,سيريالية,رأسمالية,أوليغاركية.....) في خليط عجيب من المفردات المتداخلة ,التي لا يربطها بينها شيء سوى الحرفين الاخيرين فيما تبرق عينيّ الصغير وهو ينظر  إلى جده العظيم .


أنهيا مناقيشهما ودخلا  إلى المكتبة الملاصقة للفرن فدخل ورائهما ,قام الطفل باختيار دفتر ازرق بينما اقترب جدّه من سلّة ألوان عملاقة وقرر جمع ألوان الطيف السّبعة,بنفسجيّ,نيليّ,أزرق,أخضر,أصفر,برتقالي,أح....أح.. أحم..لم يجد اللون الأحمر,,قلب السلة رأسا" على عقب ,لكنه لم يجده,بدا يغضب ,قام بفتح علب الألوان المغلقة الواحدة تلو الأخرىكلها كانت ناقصة قلما".لم يجد اللون الاحمر حزن الطفل قليلا",بينما تملك الجد غضبُ شديد وحبس في أنفاسه غصّة وأفلتت منه  دمعة أخافتها عصبيته  المكبوتة ففرت من عينيه.لم يجد قلما" احمر وذلك هزّ صورته الإلهية.

وقع المصيبة  أنهك الجدّ ,دفع ما عليه ومضى مع فتاه,بينما ظل الشاب يجول بنظره في أرجاء المكان قبل ان يقترب  من خزانة حديدية ومد يده إلى الفراغ بينها وبين الحائط ,محاولا امساك قلم أحمر وبعد عدة محاولات نجح في الحصول عليه وقرر إعطاءه للجد ليحفظ ألوهته .اقترب من البائع مشيرا" إلى القلم"250 "سحب الألف من جيبه وأعطاها للبائع .عليه العودة للمنزل سيرا" على الأقدام الآن,فلم يبقى معه غير 750.

يخرج فيرى الرجل قد اصبح في رأس الشارع ,يركض مسرعا" للحاق به لكن  الباص يصل قبله فيصعدان تاركينه يلهث محاولا" اللحاق بهما .لحظات و يقف الباص فجأة"  ينزل الرجل وهو يشتم السائق الذي اصرّ على سماع اغنية "سامحتك" ولم يكتفي بذلك بل رفع الصوت حتى يسمع جميع من في الشارع هذه الاغنية "أخت الشـر....* متل الشوفار" بحسب توصيف الستيني .يتنفس الشاب الصعداء ويمسح اب العرق عن جبينه ضاحكا" ,سينجح في إعطاء الرجل القلم وسيتكفل الأخير بإختراع القصة المناسبة عن سبب إختفاءه في البداية,يركض بسرعة وراء الرجل الذي دخل إلى الدكان لشراء قنينة مياه للصغير الذي أعطشه الزعتر وإضاعة للوقت بينما يصل الباص العمومي الذي يمنع عليه وضع الأغاني- ولو فيروز-.

يصعد الدرجات مسرعا",قبل أن يشعر باحتكاك خفيف و يسمع صرخة نسائية ناعمة,رفع عينيه وكان قد ارتطم بملاك أشقر  ,عاد وانحنى مسرعا" معطيا إياها الكيس  ووقف غارقا" في خضرة عينيها  وبجرأة لم يعهدها يوما" قال لها:يا صغيرتي"إنني منذ ثلاثين عاما ارتّب هذا الفضاء لكي تسكنيه"فهل تمهلينني لحظة وتنتظرينني في الحديقة!؟,هزّت رأسها إيجابا ونزلت كالفراشة على الدرجات بينما ظلّ نظره معلقا" عليها حتى إطمئن أنها في مقعد خشبي وسط الحديقة.

دخل إلى الدكان,بحث طويلا وأجال بنظره أنحاء المكان عبثا" دون أن يجد العجوز وحفيده,عندها بدا يعرف كل شيء,كما في نهايات أفلام هوليود,هما كانا ملاكين صغيرين, وهما رأياه وهو يتبعهما وحين تناول بالقرب منهما المناقيش وهما تجاهلا عن قصد القلم الاحمر لكي يراه هو و هما لا يعرفان ان كانت أغنية سامحتك جميلة أم لا لأن الملائكة لا تعرف الأغاني ولكنها كانت حجتهما للنزول من الباص والدخول للتعاونية لكي يلاقي هو الملاك.

خرج ونزل الادراج بسرعة وهو يسترجع ما حفظه من أشعار:"إقذف صنارتك في البحر,إإقذف قلبك في الحب,إقذف النرد",يقطع نصف الشارع ويتذكر الشطر الأخير:"ولكن أقفل عينيك قبل كل شيء" وقبل أن يتلاقى رموش عينيه حتى تطيح به سيارة "رينو رابيد زرقاء"...

وهو يسقط أرضا" مستعدا" لإغفاءته الاخيرة ,ينظر غلى المقعد فيرى ملاكه يبتسم إبتسامة" غريبة مجبولة بقليل من الخبث ثم يقوم لكمل طريق العودة للمنزل دون إكتراث,لم تكن ملاكا,كانت شيطانا" بصورة ملاك أشقر,أزرق العينين,أما الرجلان فكانا أبالستها الصغار.


بقيت جثته ممدة في الشارع حتى المساء,حين أتى عمال البلدية لإزالة النفايات كما يفعلون في كل مساء فأبعدوا جسدإلى جانب  الرصيف, ولكنهم فشلوا في إزالة أخر كلماته عن أرض  الطريق فبقيت إلى اليوم:

"وأنت يا جميل,يامكهرب الأسلاك والدماء والأشجار,واعدتني بأن يكون ليهناك موعدٌ معك ,فيختلي الحبيب بالحبيب,قلت لي,,,أراك في الأراك"*

****
تصويب أول: هذه القصة لم تحدث يوما" وهي لا تمت للواقع بصلة وان أحسست بنوع من الحمق فيها فألتمس لها العذر فهي ووليدة مخيلة حمقاء لمراهق مشوّش ,تعب

 تصويب ثاني :ما وضع بين " " هو للشاعر محمد علي شمس الدين ,مع خالص الاعتذار منه على زجّ كلماته في نص  أحمق كهذا.
 * أخت الشر.... هي كلمة عامية مستخدمة في اللهجات المحلية في لبنان وسوريا وهي تعني أخت الفاسقة"

فأقتضى التوضيح 

هناك 4 تعليقات:

  1. لآ تقل هذآ يـَ رضآ
    لكَ فـِ هذه فكرٌ صآخب
    وَ خيآلٌ لذيذ الطعم
    وَ خآتمة جميلة جداً

    أقف هنآ لـِ أرفع القبعة
    وَ بـِ حرآرةٍ أصفق لك َ

    تآبع فـِ تقدمك وآثق الخطى
    سلمت يدآك أخي
    تحيآتي وَ كُن بـِ خير .. !

    ردحذف
  2. شكرا جزيلا" ..أخجلتيني :)...أسعدني تعليقك جدا" ...

    شكرا" من جديد :)

    ردحذف
  3. رضا !!
    أصلاً أزاى تقول على القصة كده , دى بجد رائعة , ومختلفة جداً ومشوقة أنا ماكنتش عايزاها تخلص
    بجد أنت مبدع
    Keep it up ya fanan =DD

    ردحذف
  4. شكرا" شكرا جزيلا" ياسمين !!
    عذرا" الان انتبهت للتعليق !

    شكرا" بجد :)

    ردحذف