الجمعة، 31 أغسطس 2012

رؤية الرافضي ما قبل الأخيرة


"إن قاموا بإبادتنا يومًا, سيقول الآخرون قتلنا الآخرين لأنهم كانوا كلابًا للغزاة وقد يقولون أيضًا أن القوات القادمة من الجبل هي من حرر شمال الجليل وهم - أي الآخرون- من تولوا تحرير جنوبه وما تبقى.
هل أنت خائفٌ من أن تبادوا أو من أن تباد أنت؟
لن تبادوا فمن سوء حظ الاخرين أنكم تنجبون الكثير من الأطفال. لذا لا بد للقاتل بعد أن يقتل الأب والأم والأولاد الأربعة أن يرق قلبه للصغير الصامت الذي يحدق فيه بعينيه الكبيرتين, ويتركه ليتزوج داخل المنزل وينجب أطفالًا وتتكاثرون من جديد.لكنك خائفٌ من أن تباد أنت, من أن تموت أنت.يأكلك خوفك قليلًا قليلًا وتحاول دون جدوى أن تهرب منه, بأن تقول مثلًا:"بيروت لن تفنيها حربٌ بل ستفنيها الصراصير" وتفرح بجملتك هذه وبحكايتك المبتذلة التي خلقتها منها, بينما تشتم في قلبك روحك الخائفة من الموت.
يقول شاعرٌ -من جنوبٍ آخر,غير جنوب الجليل-: "أسأل يا زرقاء..
                                                              عن جاريَ الذي يهم بارتشاف الماء
                                                              فيثقب الرصاص رأسه في ساعة الملامسة"
وانت ان كنت ستموت,ستموت هكذا أليس هذا ما  قاله صديقك, ومن يومها وأنت تتخيل رصاصة تخترق فكك قبل مضغ لقمة الخبز الأولى في الصباح"

"هل تعتقدين أن هذا المقطع جميلٌ حقًا؟"
يحدق أسود الشعر بني العينين بالفتاة ذات العينين الكبيرتين ويتابع:
"ألم تكوني أنت من قلت ذلك اليوم:منذ متى تناصر الرافضة الحاكم الظالم؟!منذ متى يبايعون قاتل النفس المحترمة بأسماء الممانعة الحسنى!"
تخرج من فمها "لا" مرتبكة
لكنه لا يصدقها ويواصل:"أنا أقول لك منذ متى.ربما منذ اليوم الذي أحسوا فيه أنهم أقلية مهما تكاثروا أو منذ اليوم الذي أحسوا فيه بالموت,بالموت الذي يحمله الأخوة والجيران."
يشعران بهواءٍ باردٍ يلفح وجهيهما في هذه الليلة الصيفية المقمرة, فيقرران الدخول إلى الغرفة, لكن أوراقً تملأ الشارع تلفت انتباهه :"هل هي مناشير الحرب؟" يسألها دون أن ينتظر جوابًا " أم أنه منشور لبقعةٍ استهلاكيةٍ جديدةٍ ستطفو في هذه الضاحية الملاصقة للعاصمة؟" قبل أن يرفع رأسه ويحدق في عينيها الكبيرتين من جديد ويسأل بصوت منخفض يملأه الخوف والرهبة:
"
منذ أن بدأ الرافضة يهوون نمط الحياة الاستهلاكي هذا؟منذ أن غزتهم هذه الاستهلاكية,الاستهلاكيةٌ المحجبة؟"
"
وقد يكون لأنهم انتبهوا الى أنهم أقلية مهما تكاثروا"
تقول الفتاة وهي تصطنع البرد داخلةً الغرفة مغلقةً خلفها باب الشرفة
.

يدير ظهره لها ويقترب من حافة الشرفة.يضع يده عليها وعلى يده يضع رأسه, والأذن على راحة اليد المليئة بالخطوط المتشابكة فيسمع صوتًا يشبه صوت الصدف.
يسأل نفسه :"لماذا كرهت محمود درويش وفضلت عليه الآخرين,ألأنه من جنوبيّ الجليل وأنت من شماله ففضلت عليه شعراء جنوب الليطاني؟ألهذا كرهته؟ أم لأنه لطالما استعان بالمسيح كأنه خلق له وحده فقط ولجليله؟
هل سيبعث الله بالمسيح مع المهدي,هكذا تقول الروايات أو كما تحب أن تسميها الحكايا, وتقول الحكايا أيضًا أنه لم يمت. لعلي أنا المسيح,هناك صبيٌ في الشارع يومئ لي برأسه  وعلى عمود الكهرباء القريب يتجمع الحمام.

لا بد أنني حقًا المسيح,
أشعر الآن أنني في قانا الجليل,أقترب من التلة المقابلة للمغارة.المغارة التي نمت فيها يومًا منذ أكثر من ألفيّ عام, أريد أن أنام هناك لأن التعب أنهكني.

لقد بدأت أتأكد من أنني المسيح,
فمن المؤكد أنه كان ليرفض النوم في علبنا الاسمنتية الجديدة حيث تتراقص صناديق ملونة تظهر قتلى يملؤون الشوارع وفرانً سقط في فرنه واحترق مع مناقيشه بعد أن اخترقت رأسه رصاصة, ثم تعود لتواصل نقل مبارة كرة القدم.

لا بد أنني المسيح,
فما ان وصلت الى هنا حتى أنتابني حنين قديم واستعدت كف يهوذا تشد على كفي وعينيه تنظران في عينيّ بحزن.

لا بد أنني المسيح,
هناك قبرٌ في رأس التل,لا بد أنه أليعازر وأنا سأحييه من جديد.أسرع في ارتقاء التل,النباتات والشجيرات هنا لا زالت على حالها كما تركتها حتى الأزهار الصفراء ما زالت كما كانت يوم العرس.ها أنا اسرع أكثر فأكثر وأقترب من التلة.أشعر بملاك يدفعني بسرعة,ها هو القبر يزداد وضوحًا,انه قبر اليعازر سأنقذه.
لقد  وصلت الآن أعلى التل لكنني لا أستطيع أن أتوقف,قدمي تدوس الهواء,ها أنا أسقط الآن من الأعلى, من قضم تلتي كتفاحة كلسية بيضاء؟جسدي يصطدم بالأرض وحجارة القبر تسقط على رأسي وتملأه بالدماء.
يبدو أنني لست المسيح, لعلّي المهدي
!"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق